في القرن السادس عشر، على وجه الخصوص، تبنت البندقية هذا المشروع لتعزيز تجارتها في الشرق. ومع ذلك، فقد أجريت الدراسات الأولى مع حملة بونابرت على مصر عام 1798. وفي عام 1801، عادت الحملة، ولكن المسوحات التي أجراها المهندسون بين البحرين، على الرغم من عدم دقتها، خلصت إلى أن القناة كانت مجدية. وفي أربعينيات القرن التاسع عشر، أدى نمو التجارة في المحيط الهندي والشرق الأقصى، إلى جانب تطوير الملاحة البخارية، إلى إحياء الاهتمام بالربط البحري بين البحرين. وقد قدم تنفيذه ميزة هائلة تتمثل في تقصير المسافات بين أوروبا وآسيا مقارنة بالطريق حول إفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح. وأضاف السان سيمونيون إلى الحجج الفنية والتجارية فكرة التقريب بين الشرق والغرب والتنمية المتناغمة للثروة العالمية التي تتحقق من خلال التجارة. وفي عام 1846، أسسوا جمعية دراسة قناة السويس؛ لكنهم لم يتمكنوا من الحصول على موافقة والي مصر، عباس باشا. بعد حوالي عشر سنوات، تحدى الدبلوماسي فرديناند ديليسبس، الصديق المقرب للوالي الجديد، محمد سعيد، عداء بريطانيا العظمى وسلطان القسطنطينية وحصل على فرمان الامتياز. وهكذا، تمكن من إنشاء الشركة المخصصة لحفر وتشغيل القناة المستقبلية التي تربط البحرين لمدة 99 عامًا.
تمّت أوّل ضربة معول بتاريخ 25 نيسان (أبريل) 1859. يُعتبر حفر برزخ السّويس بحدوده وصعوباته وموقعه ˗صحراء على تخوم سيناء- من أكبر مواقع البناء في القرن التّاسع عشر. كان إخضاع الطّبيعة من قبل الإنسان وإنشاء مراكز حضريّة من العدم وإقامة السّكان، من العوامل الّتي جعلت هذا الموقع استثنائيًّا. تحوّل برزخ السّويس في عشر سنوات: أُقيمت مخيّمات حول مناطق البناء أخذت شيئًا فشيئًا أبعاد المدن - بورسعيد على شواطئ البحر الأبيض المتوسّط والإسماعيلية عند منتصف مسار القناة والسّويس عند مخرج البحر الأحمر- وكانت برغم قلّة تنظيمها حتّى حينه تؤكّد بالفعل على طابعها الجامع. تمّ في 18 آب (أغسطس) 1869 وصل البحرين عند نقطة بحيرات عامر. و تمّ تحديد موعد حفل افتتاح القناة للملاحة بعدها ببضعة أسابيع؛ كان افتتاح القناة في 17 تشرين الثّاني (نوفمبر) 1869 حدثًا عالميًّا وكانت فرنسا ضيفة الشّرف بوجود الإمبراطورة يوجيني.
بدأت مع افتتاح قناة السّويس أمام الملاحة حقبة جديدة للتجارة العالميّة. واعترفت بريطانيا الّتي كانت معادية حتى ذلك الحين لهذا المشروع بخطئها: وأصبحت حالَ افتتاح القناة أكبر مستخدم لها وظلّت كذلك حتّى خمسينيّات القرن العشرين. كما فتحت القناة صفحة جديدةً في تاريخ مصر. احتفل البلد عند تدشين المشروع بتباه بهذا الإنجاز. ومع ذلك، أصبحت القناة بعد بضع سنوات رمزًا لسلب البلد ماليًّا من قبل القوى [العظمى]. كانت مصر قد ساهمت مساهمةً كبيرةً في تمويلها وصلت إلى النّصف، مما أغرقها في الديون بشكل مقلق. مما اضطرّ الخديوي إسماعيل في عام 1875، وهو على حافّة الإفلاس، إلى بيع 44٪ من الأسهم المملوكة له في شركة السويس لبريطانيا. احتلّ البريطانيّون في عام 1882 البلد وأعلنوا أنفسهم بحكم الأمر الواقع حرّاس أمن القناة. وأخيرا، جاءت الضّربة القاضيّة للسيّادة المصريّة على القناة في عام 1888 عندما منحتها معاهدة القسطنطينيّة صفة ممرّ بحريّ دوليّ. قبلها بثلاث سنوات، لخّص إرنست رينان في معرض الاحتفاء بأعمال فرديناند دي ليسبس في الأكاديميّة الفرنسيّة سلب حقوق مصر في القناة لصالح مصالح العالم الغربيّ قائلًا: "أرض تهمّ بقيّة العالم إلى هذا الحدّ لا يمكنها أن تنتمي إلى نفسها؛ ويتمّ تحييدها لصالح البشريّة ".
وشكلت القناة بعد ذلك تحديًّا كبيرًا للعواصم الأوروبيّة. فكانت بالنّسبة لبريطانيا العظمى عنصرًا أساسيًّا في السّيطرة على البحر الأبيض المتوسّط والتّحكّم بطريق جزر الهند. وَضعَها موقعها الاستراتيجيّ أيضًا في قلب معارك الجبهة الشرقيّة إبّان الحربين العالميّتين. ولكن القناة مثّلت كذلك تحدّيًا تجاريّا كبيرًا؛ فأصبحت في الربع الأخير من القرن التّاسع عشر إحدى الطرق الرئيسيّة لعولمة التّجارة. رافقت تطوير التّجارة البحريّة وتوسيع الإمبراطوريّات الاستعماريّة من خلال الحدّ من المسافة بين أوروبّا وآسيا. قصّرت القناة الطريق بين أوروبا والهند إلى النّصف في الواقع: أصبح الطّريق بين مرسيليا وبومباي عبر بورسعيد 4553 ميلًا بحريًّا مقابل 10424 ميلًا عبر رأس الرّجاء الصّالح. انخفض المسار بين لندن وبومباي من 10721 ميلًا بحريًّا عبر رأس الرّجاء الصّالح إلى 6260 ميلًا عبر السّويس. وتوفير الوقت هو محل تقدير كبير بخاصّة من قبل المسافرين: كان يجب توقّع شهرين إلى ثلاثة للإبحار ما بين مرسيليا وبومباي عبر رأس الرّجاء الصّالح في سبعينيّات القرن التّاسع عشر، فيما أصبح شهر واحد كافيًا للعبور عبر البرزخ.
وهكذا شاركت قناة السّويس في نهاية القرن التّاسع عشر بشكلٍ فعّال في تنوع التّجارة وزيادة تكامل الأسواق. تمّ نصب تمثال ضخم لفرديناند ديليسبس في نهاية رصيف بورسعيد حيث تمرّ السّفن عند المدخل الشمالي للقناة للاحتفال بهذا العصر الجديد. وحملت القاعدة الكتابة التّالية: Aperire terram gentibus (فتح الأرض للرّجال). نُسف هذا التمثال بعد نصف قرنٍ عندما قرّر العقيد عبد الناصر تأميم شركة قناة السّويس في عام 1956، وكان هذا إيماء بقرع ناقوس الخطر لنهاية الهيمنة السياسيّة والتجاريّة لأوروبّا في الشّرق وآسيا.

افتتاح قناة السويس: مباركة القناة في بورسعيد، بحضور الزوار الإمبراطوريين والملكيين. 1869
.
