نحن نقتصر هنا على الشرق المتوسّطيّ من جهة، والموسيقيّين الفرنسيّين أو المرتبطين بفرنسا من خلال المقطوعات الموسيقيّة ما بين 1800 و1945 من جهة أخرى: نعترف عمومًا بأنّ تلك هي فترة زهو الاستشراق ولو كان في الواقع متجذّرًا في ماضىٍ أكثر قِدمًا.

نُصدم في حال خطونا خطوةً إلى الوراء للاقتراب من نتاج تلك الفترة بكميّة الأعمال المنتجة أوّلًا وبالعدد الصّغير جدا منها الّذي تمّ تمريره إلى الأجيال اللأّحقة. يمكن إلقاء اللوم أحيانًا على نوعيّة الأعمال بحدّ ذاتها، ولكنّ لا بدّ أن يكون تنوّع الموضات والأذواق هو السّبب، والّذي فاقمه في الفترة الأخيرة النقد الإيديولوجيّ وإلى حدّ ما الماسوشيّ لكلّ أنواع "الاستشراق". وتذكّرنا عمليّات الاستخراج الدورية بأن عددا منها تمّ نسيانه بشكل غير عادل البتّة. السّمة الثّانية البارزة هي تكرار المواضيع والشخصيات ممّا شكّل سلاسل حقيقيّة على مرّ القرون، مع تقديم كل عصر لتأويله الخاص. أخيرًا، تجدر الإشارة أنّه وعلى المستوى الموسيقيّ لم تستخدم تقاليد الشّرق الموسيقيّة إلّا قليلًا، حتى لو وجدنا توليفات لا بأس بها هنا واستثناءات سعيدة هناك: نذكر على سبيل المثال اللّحن الحزين جميلة Djamileh (1872)  من تأليف بيزي (Bizet).

وبالتّالي فإنّ شخصيّتين هيمنتا بالكامل على الشّرق القديم. الأولى أنثويّة وهي سميراميس الّتي كانت موضوع عدد كبير من التراجيديا، غنائية كانت أم لا، انبثقت منها قصيدة فولتير (1748) الّتي كانت مصدر  سيميراميد Semiramide (1823) لروسّيني، وكانت آخر أوبّرا إيطاليّة له قبل وصوله إلى باريس في عام 1824 حيث بدأ عرضها ابتداءً من العام الّذي تلاه. وأمّا الشخصيّة الأخرى فكانت ذكوريّة وهي ساردانابال، وقام بايرون بتقديم وفاة ساردانابال على خشبة المسرح (1821) ورسمها (1827) ديلاكروا (شيء من قبيل الظاهرة التصويريّة للحركة الرومانسيّة!)، قبل ان تكون "موضوع" أنشودة حصد من خلالها برليوز جائزة روما في عام  1830. أمّا في عام 1901 فكان دور محظيّته ميرا الّتي رافقته إلى الموت لتكون موضوع أنشودة لجائزة روما نفسها، وحصدها رافيل من بين آخرين.

وينطبق الشيء نفسه على شرق الكتاب المقدس الّذي هيمنت عليه شخصيّتان متناقضتان. إحداها شخصيّة رئيسيّة في العهد القديم، موسى، موضوع Mosè in Egitto (1818) لروسّيني، الذي قدّم اقتباسًا بالفرنسيّة في عام 1827 تحت اسم موسى في مصر أوعبور البحر الأحمر Moïse en Egypte ou Le Passage de la Mer Rouge، ولكن أيضًا أوراتوريو موسى في سيناءMoïse au Sinaï  (1846) لفيليسيان ديفيد. والأخرى شخصية ثانويّة في العهد الجديد والّتي تمّت الإشارة إليها ببساطة باسم ابنة هيروديا في الأناجيل، وقد غطّت تدريجيًّا على أمّها في الأدب اللّاحق. وكذلك فإنّ هيرودياس Hérodias تتمحور حول شخصيّة الأمّ، وهي واحدة من الحكايات الثلاث Trois contes (1877) لفلوبير، والّتي اقتُطفت منها هيروديا Hérodiade (1881) لماسني. لكنّ سالومي Salomé لأوسكار وايلد ترتكز على الفتاة، الّتي قام مورو برسم عدّة بورتريهات لها ابتداء من سبعينيّات القرن التّاسع عشر، وكُتبت مباشرة باللغة الفرنسية وكانت مصدرًا ليس فقط لنسخة ريتشارد شتراوس (1905) من سالومي Salomé (والّتي يوجد منها نسخة فرنسيّة)، ولكن أيضًا مصدرًا لنسخة ماريوت منها (1908)، والّذي سبقته بدوره بعام واحد باليه تراجيديا سالومي La Tragédie de Salomé لفلوران شميت. لا يستثني هذا بطبيعة الحال وقائع أخرى من الكتاب المقدس يمكن التّطرّق إليها كأوبرا شمشون ودليلةSamson et Dalila  (1877) لسان صانز.

تم تصوير الشّرق المسيحيّ عن طريق تاييسThaïs  (1894) لماسني استنادًا إلى رواية (1889) أناتول فرانس، وتروي تقاطع مصير المومس المصريّة تاييس الّتي أصبحت قدّيسة بالراهب بافنوس (أتنايل في الأوبرا)، وقد توفّيت عندما رغب بإنقاذها.

وأخيرا كان الإسلام آخر من جاء على المسرح التّاريخيّ، الذي ظهر عند المتوسّط في القرن السّابع. يستحضر عمل واحد على الأقل، أوبّرا فيرفال (1897) لفنسنت داندي، ما يسمّى غزو "السّراسنة" خلال العصور الوسطى العليا لجنوب الغال. ولكن حلقتين من الصّراع الإسلاميّ المسيحيّ لطالما استخدمتا للزّينة: الحروب الصليبيّة (القرن الحادي عشر- الثالث عشر) من جهة، وحرب القراصنة (القرن السّادس عشر إلى أوائل القرن التّاسع عشر) من جهة أخرى . تمّت مقاربة الأولى بشكل خاص في آخر أوبّرا لجياكومو مايربير في إيطاليا oIl crociato in Egitt (1824)، والّذي جلبه نجاحه إلى باريس في عام 1825 على خطى روسّيني، وفيها استقّر. كانت القدس Jérusalem "أوبّرا ضخمة" قدّمها فيردي بأسلوب مايربير في باريس (1847)، وهي اقتباس بالفرنسيّة عن أوبّرا له I Lombardi alla prima crociata (1843).

ومع ذلك، أصبح الإسلام ابتداءً من النّصف الثّاني للقرن السّابع عشر موضوع فضول فكريّ بفعل تأثير الحركة الإنسانيّة. فأصبح هناك اهتمام بمختلف إنتاجاته. ومن بينها الثّروة الهامة وهي ألف ليلة وليلة Les Mille et une nuits والّتي يعود الفضل فيها إلى أنطوان غالّان.

ويمكن لنا أن نذكرأيضًا ولو بطابع فكاهي خليفة بغدادLe Calife de Baghdad  (1800) لبوالديو المستوحاة من هارون الرشيد (Isaoun في الأوبرا)، الّذي تظهره اللّيالي Nuits وهو يجول ليلًا متخفّيًا في عاصمته. وبحسّ أكثر فكاهة أيضًا نذكر واحدة من الحكايات الأكثر شهرة في نسخة غالّان ولكن من دون الانتماء إلى المدوّنة العربيّة اللّيالي Nuits، علاء الدّين والفانوس السّحريّ Aladin ou la lampe merveilleuse، الّتي ألهمت مؤلّفي الأوبّرا هيكتور كريميو وأدولف دينري "سحرًا جديدًا" (1863): نتكلّم اليوم عن الكوميديا الموسيقيّة، وهي عبارة عن مسرحيّة تتخلّلها رقصات وأغان. كريميو مؤلّف الأوبّرا الهزليّة الأتراكLes Turcs ، والموسيقى لهيرفي.

على محمل أكثر جدّيّة نجد حكاية مشهورة أخرى من نسخة غالّان ولكنّها أيضًا لا تنتمي إلى المدوّنة العربيّة اللّيالي Nuits وهي حكاية الأمير أحمد والجنّيّة باري-بانو Histoire du prince Ahmed et de la fée Pari-Banou، وهي أساس رواج شخصيّة الجنّيّة (la péri) الّتي كانت موضوع اثنتين من الباليه: الجنّيّة La Péri (1843) عن كتاب لثيوفيل غوتييه والتأليف الموسيقيّ للألمانيّ فريدريك بورغمولر الّذي استقرّ في باريس، والجنّيّة أو زهرة الخلود La Péri ou la fleur d’immortalité (1912) لبول دوكا. كانت نسخة غالّان عرضة للمنافسة في نهاية القرن التّاسع عشر من نسخة ماردروس والتي تحدّر منها معروف، إسكافيّ القاهرة Mârouf, savetier du Caire (1914) لهنري رابو.

كما أعطت الّليالي Nuits للآداب والفنون شخصيّة الرّاوية شهرزاد. وقد ألهمت رافيل افتتاحيّة أخّاذة (1898) لأوبّرا لم تبصر النّور إلى أن اتُّخذت عنوانًا لثلاث قصائد (1921) لتريستان كلينغسور: آسيا والنّاي السّحري والغير مبال Asie, La Flûte enchantée, l’Indifférent.

شارك العديد من المواضيع والشّخصيّات والأساليب الأخرى في شرق الموسيقيّين. الكثير منها كان مستوحىً من مصر الّتي تمتّعت بوضع خاص في الاستشراق الفرنسيّ كنتيجة مباشرة لحملة بونابرت (1798)، ووردت على سبيل المثال في الأوبّرا-الميلودراما معركة الأهرام أو زنوبة وفلوريكور La Bataille des Pyramides ou Zanoubé et Floricourt  (1803: لا نعرف على وجه اليقين من هو المؤلّف الموسيقيّ أو كاتب الأوبّرا!): من خلال العوالم مغنّيات القصائد "البارعات"، وقد ظهرن في هذه الأوبّرا وشكّلن فيما بعد موضوعًا لعدة مقطوعات للبيانو تمّ أحيانًا غناؤها؛ وكذلك الصحراء Le Désert (1845)، وهي قصيدة سمفونيّة لدافيد الّذي سبق ذكره كونه سان سيمونيّ عاش في مصر؛ وكذلك غنائيّة شواطئ النيل Les Plages du Nil (1846)، وتعود للأخوين هاليفي اللّذين كانا متعاطفين مع السان سيمونيّة، الموسيقى لفرومنتال والكلمات لأخيه ليون، مع ترجمة إلى العربيّة لأليكس ديغرانج  بهدف المزيد من الانتشار؛ وكذلك  من خلال الكونشيرتو رقم 5 للبيانو والأوركسترا (1895) لسان صانز والمسمّى "المصريّ"، لأنّه تمّ تأليفه في مصر ومن حركة 2 "المستشرقة" (بمهارة). هو نفسه سان صانز الذي ندين له بمقطوعتين من الموسيقى ... العسكريّة، الشرق والغرب Orient et Occident (1884) وعلى ضفاف نهر النيلSur les bords du Nil  (1908)، وهذه الأخيرة مهداة مخصّصة للخديوي.

ليس هناك من شك بأن هذا الموقع وترقيم بعض عناصر هذا التّراث الغنيّ جدا يساهمان في أن لا ينتهي به المطاف من دون وارث له.
 

 

شرح الصّورة: الآنسة ديفيريا، دور روكسان، في الأتراك، مسرح الجنون الدراميّ 1869