كانت الديانة المسيحية الأولى غنية بالاعتبارات المتنوعة الموروثة عن عدم التجانس في الديانة اليهودية التي تأصّل فيها المعتقد الجديد. في القرن التاسع، تمأسست الكنائس في الإمبراطورية الرومانية مما ساهم في بروز أرثودكسية تحددت في مجمع نيقية (عام 325) وترافق ذلك مع تصلّب في الخطاب الثيولوجي. وتزامناً مع تحوّل المسيحية إلى ديانة دولة (الوضع الذي توصلت إليه منذ العام 380 مع وصول تيودوسيوس إمبراطور نيقية إلى الحكم)، شكّل التنوّع الأولي مصدراً للانشقاقات. بعد مجمع أفسس (عام 431) ومجمع خلقيدون (عام 451)، نشأت فروع متعارضة فيما بينها انبثقت عن مدارس ثيولوجيّة مختلفة الكريستيولوجيات. والتقلبات التاريخية اللاحقة، لاسيما التدخلات من جانب الغرب، زادت في حدة هذه الانقسامات، ونستطيع أن نميّز فيما بينها:

  • الكنائس "الخلقيدونية" التي عُرفت قديماً بــ"الملكية" (من السريانية "مالكو" التي تعني "الملك" لأن هذه الكنائس أدت الولاء للإمبراطور البيزنطي)، وكانت تتبع العقيدة الخلقيدونية فاعتبرت أنّ للمسيح طبيعتين وأنّ هناك اتحاد في شخص المسيح ابن الله، المخلّص المولود من مريم العذراء المكرّمة في هذا الصدد بمثابة "أم الله". وشكّل الملكيّون أغلبية في سوريا وفلسطين (بطريركية أنطاكيا وبطريركية القدس)، وأصبحوا أقلية فيما بعد (بطريركية الإسكندرية). في القرن الحادي عشر، انجرفت هذه الكنائس مع القسطنطينية في الانشقاق الذي أدى في عام 1054 إلى الانفصال عن روما. اعتمدت فيما بعد بشكل تدريجي الليتورجيا البيزنطية وأصبحت حالياً تنتمي إلى مل يعرف بالكنائس "الأرذودكسية".
  • الكنائس المعروفة سابقاً بالــ"مونوفيزية" (الأقباط في مصر، والأثيوبيون، والأرمن، والسريان) وهي كنائس وريثة الأنطروبولوجيا التي تعتبر أن وحدة شخص يسوع كاملة لدرجة أننا لا نستطيع، بعد أن تجسّد، اعتبار طبيعته البشرية منفصلة عن طبيعته الإلهية إنما هو ذات طبيعة واحدة إلهية-بشرية (باليونانية: monè physis).
  • الكنيسة المعروفة بالــ"النسطورية" (نسبة لــ"نسطوريوس" بطريرك القسطنطينية الذي حوكم في أفسس) وأصبحت تعرف فيما بعد، منذ القرن التاسع عشر، بالكنيسة "الأشورية"، أي كنيسة مسيحيّي العراق وإيران. وتتعلّق بمدرسة إنطاكية التي تؤكد على مبدأ الجوهر البشري والجوهر الإلهي ليسوع، دون أن يكون اتحاد بينهما وفي نفس الوقت دون الفصل بينهما. واعتبرت أنّ وصف مريم بــ"أم الله" يفتح الباب أمام إخفاء الجوهر البشري ليسوع.
  • الكنائس الكاثوليكية الشرقية ، ظهرت ابتداءً من القرن السادس عشر عند الالتحاق بروما من جانب مجموعة من المؤمنين غير الخلقيدونيين وغير الملكيّين، مما أدى إلى نشوء كنائس "باباوية" وهي: كنيسة الأقباط الكاثوليك، وكنيسة السريان الكاثوليك، وكنيسة الكلدان الكاثوليك (المنبثقة عن الكنيسة النسطورية)، وكنيسة الأرمن الكاثوليك، وكنيسة الملكيين الكاثوليك (التي احتفظت بالتسمية " الملكيين" في حين تخلّت كنيستها الأم "الأورثودكسية" عن هذه التسمية). وقعت هذه الكنائس تحت التأثير اللاهوتي أو الثيولوجي اللاتيني بشكل واضح نسبياً. هناك حالة خاصة هي الكنيسة المارونية (في لبنان وسوريا وقبرص) التي اتحدت مع روما منذ الأصل دون أن تكون منفصلة عن تراث الكنيسة "الأورثوذكسية".
  • كما وأسست روما في الشرق الأوسط طوائف "لاتينية" منذ فترة الحملات الصليبية. واستعادت هذه الحركة نشاطها في القرن التاسع عشر مع إنشاء بطريركية اللاتين في القدس.
  • في الوقت عينه، تشكلت بصورة تنافسية طوائف متنوعة بروتستنتينية أو أنجليكانية في سائر بلدان المنطقة.

خلال فترة الفتح العربي، في القرن السابع ميلادي، كان المسيحيون يشكلون تقريباً النسبة الإجمالية لشعوب الشرق الأوسط. وانقسامهم لعب دوراً في السرعة التي فرض بها الفاتحون سيطرتهم ، دون أن تؤدي بهم هذه السيطرة إلى اعتناق الإسلام أو إلى تعلّم اللغة العربية بشكل سريع في هذه الأقطار. وخلال فترة طويلة، بقيت الشعوب المحلية بأغلبيتها مسيحية وحافظت على لغاتها القديمة (القبطية في مصر، واللهجات الآرامية المتنوعة في سوريا وبلاد ما بين النهرين). واعتمدت بجانب ذلك اللغة العربية ابتداءً من القرن العاشر، مما ساهم في ولادة أدب عربي مسيحي خاص. وعملية التعريب هذه أدت إلى اضمحلال اللغات القديمة أو اندثارها فأضحت بمثابة ذخائر. وبالتالي تطوّرت بشكل طبيعي تيولوجيا مسيحية "عربية" بلهجات خاصة نتيجة المسائل المطروحة في إطار الحوار مع الإسلام. ولعب المسيحيون دوراً رائداً في نضال العرب: النهضة في مجال الهوية الثقافية العربية ضمن الإمبراطورية العثمانية، والنضال ضد الاستعمار الغربي، والعروبة السياسية، ومعارضة الدولة الصهيونية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وغيرها. وبفعل العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية، في الدرجة الأولى، ثم العوامل الدينية المعقدة، اعتنق السكان المسيحيون الإسلام بأغلبيتهم. وكانت عملية الأسلمة بطيئة تدريجية ولم تصل إلى درجة الاختفاء الكامل للمسيحيين. وسمح المجتمع المسلم التقليدي لغير المسلمين (أهل الذمة) بممارسة عقائدهم. وبالطبع، مع انتشار الإسلام الذي أصبح مسيطراً، بات المسيحيون يشكلون أقلية فتدهور بالتالي وضعهم ووقعوا أحياناً ضحية التمييز والعنف إنما بشكل متفرّق، ونادراً ما وصل ذلك إلى درجة القضاء عليهم. وكانت التبادلات الثقافية بين المسلمين والمسيحيين غنية وعرفت عصراً ذهبياً بين القرنين التاسع والثالث عشر، في مصر وسوريا وبلاد ما بين النهرين.

بدأ عدد المسيحيين في الشرق الأوسط يتراجع بشكل ملحوظ، لا سيما ابتداءً من القرن الرابع عشر. وكان للإكراه على الأسلمة دور في هذه الظاهرة، دون أن يشكل هذا البعد سببها الوحيد. كما أنّ التراجع في عدد المسيحيين لم يكن متواصلاً بشكل دائم، ففي ظل الإمبراطورية العثمانية، أي ابتداءً من القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين، عرفت الطوائف المسيحية في المشرق من جديد نمواً ديمغرافياً.

شهد القرن العشرون تراجعاً في نسبة المسيحيين في المشرق. فبعد أن كانوا يمثلون نسبة تتراوح ما بين 10% و15% من العدد الإجمالي لسكان الشرق الأدنى العربي حوالى العام 1900، تراجع عددهم بشكل ملحوظ ليصل إلى نسبة تتراوح بين 6% و8%. ولكن عددهم المطلق حالياً (ما يناهز الــ10 مليون) يفوق عددهم قبل مئة سنة (أقل من مليونين)، كما أنّ طوائفهم أشد حيوية، وهي أكثر انفتاحاً على الحداثة. غير أنّها تعاني من الضيق العام الذي يسود المجتمعات العربية وأسباب هذا الوضع عديدة: عدم الثبات المزمن في المنطقة من جرّاء الأزمة العربية-الإسرائيلية، واستحالة تطوّر ديمقراطيات مواطنية فعلية، واحتجاز المجتمعات داخل أنظمة ديكتاتورية مخرِّبة، وبسبب الصعود القوي للإسلامية. ومنذ سنوات الــ1970، ساهمت الإسلامية في تفاقم الشعور بعدم الأمان لدى المسيحيين إزاء مشروع اجتماعي-سياسي أُبعدوا عنه. وبالتالي اختار العديد منهم طريق الهجرة. فالأزمات المتفاقمة التي يشهدها العالم العربي منذ بداية الألفية الثالثة، بالإضافة إلى أوجه الخلل في النسيج الاجتماعي التي ظهرت بعيد "الربيع العربي" وأدت بنوع خاص إلى تفسّخ العراق وسوريا وإلى إضعاف مصر، كلها أمور تجعل التوقعات المستقبلية لهذه الطوائف مظلمة.

 

الصورة: مجموعة رسوم تبيّن حياة المسيح، مع شروحات بالسريانية وبالأرمنية. القرن السادس عشر.