أصبح للمسيحيين المغتربين الوافدين من الغرب إلى الإمبراطورية العثمانية الحق في الاستفادة من مرشدين كنتيجة غير مباشرة للتوقيع على"معاهدات الاستسلام" [معاهدات خاصة بين فرنسا والسلطنة العثمانية في القرن السادس عشر لصالح الفرنسيين في موانئ المشرق]. كان هؤلاء ينتمون إلى إرساليات رهبانية مختلفة (اليسوعيون واللعازاريون والفرنسيسكان والكبوشيون والدومينيكان) ومن بين مهامهم توفير الخدمة للسفير الفرنسي في اسطنبول وللقتاصلة المعتمدين في "موانئ المشرق". علاوة على ذلك، كان لهم الفضل في إنشاء روابط مع الطوائف المسيحية الشرقية. وهذه الأخيرة استفادت من خدمة رعوية من خلال المدارس التي اُسست للفتيان أولاً في نهاية القرن السابع عشر ثم للفتيات في القرن الثامن عشر بهدف إنشاء إرساليات للراهبات ومستوصفات ومستشفيات في القرن التاسع عشر. وهذه المؤسسات التي كانت مدرسية في معظمها، أتاحت لمسيحيي الشرق لعب دور أساسي في الحياة الثقافية للمدن الكبيرة وهي حلب واسطنبول ودمشق وبغداد والاسكندرية والقاهرة مما جعلهم من المنظمين الأساسيين للنهضة.

في هذا الإطار، تأسست مجلة "عمل مدارس الشرق" على أثر حرب القرم. أسسها اثنان من أساتذة مجمع فرنسا للمحاضرين "كولّيج دو فرانس" (Collège de France) وهما عالم الرياضيات أوغوستان كوشي (Augustin Cauchy) وعالم المصريات شارل لونورمان (Charles Lenormant). كان أعضاء اللجنة الإدارية للمجلة من العلمانيين بينما رئيسها كان رجل دين، الأباتي لاڨيجري (Lavigerie)، الذي شغل في حينها منصب أستاذ في جامعة السوربون بباريس. وخلفه فيما بعد معاونه الأباتي سوبيران (Soubiranne) الذي بقي رئيس المجلة لمدة طويلة.

بدأت الجمعية بإصدار المجلة ابتداءً من عام 1857. ونظراً لهدف هذه المجلة ولمجال عمل مؤسسيها، خصصت مساحة مهمة منها لموضوع التعليم. ومنذ صدور العدد الأول (نوفمبر/تشرين الثاني 1857) اتضح هذا التوجه من خلال التقرير الصادر عن إرسالية الرهبان اللعازاريين في المشرق والذي وضعه الأباتي الرئيس العام إتيان (Etienne) واصفاً مدارس الإمبراطورية العثمانية في القسطنطينية وسميرنا وسالونيك،ومدارس اليونان في ناكسوس وسانتورين، ومدارس سوريا في دمشق وحلب، ومدارس لبنان الحالي في طرابلس وعينطورة. وفي المجلة نفسها، كتب الأباتي رئيس الإرسالية اليسوعية في سوريا  واصفاً المدارس ودور الأيتام الواقعة في مناطق أخرى من لبنان في زحلة وبكفيا وبيروت وغزير. وفي مقالة ثالثة من المجلة، ورد الكلام عن الرعاية التي نظّمها طلاب مدرسة "مونغري" التكميلية للآباء اليسوعيين (Collège de Mongré) الواقعة في مدينة Villefranche sur Saône بمنطقة الــ Rhône الفرنسية، والهدف من الرعاية المذكورة التبرّع بالأقساط المدرسية لطلاب سوريين.

في عام 1860 حصلت مجازر بحق المسيحيين في منطقتي الشوف وزحلة اللبنانيتين، على يد جيرانهم الدروز، في الوقت الذي غضت السلطات العثمانية النظر عن المشاغبين السنّة في دمشق. أرسلت فرنسا قوة عسكرية تمركزت في منطقة جبل لبنان. وساعدت جمعية "عمل الشرق" في فتح دور للأيتام إلى جانب المدارس، بنوع خاص من أجل "السماح للأيتام الذين قُتل آباؤهم بأن يساعدوا أمهاتهم لأن النساء في الشرق لا يكسبن أي مال" (العدد رقم 15 من المجلة، 1864).

شملت مناطق أنشطة جمعية "عمل الشرق" كلاً من مصر، وسوريا، وجبل لبنان، وبلاد ما بين النهرين، وبلاد فارس، والإمبراطورية العثمانية، والأقاليم العثمانية في البلقان (بلغاريا، وصربيا، ومقدونيا)، وإيالة تونس، والمملكة اليونانية.

تجنّد المانحون في سائر الأبرشيات بفرنسا؛ فالمؤسسات الرهبانية الفرنسية تكفلت بتدريب وإعالة الرهبان والراهبات من الموارنة والملكيين والأرمن (العدد 17 من المجلة أورد قائمة بأسماء 38 راهبة من مؤسسة القلب الأقدس في منطقة سهل البقاع بلبنان اللواتي حظين برعاية راهبات فرنسيات من 30 ديراً، والعدد 24 من المجلة أورد قائمة بأسماء 54 راهبة من مؤسسة الراهبات المريميات اللواتي حظين برعاية 54 صانعة خير) وجاءت الإعانات كذلك من المملكة المتحدة، وبلجيكا، وإسبانيا، وإيطاليا، وهولندا، والولايات المتحدة الأميركية، وأوقيانيا. في عام 1861 وصل مجموع الإعانات إلى 110000 فرنك فرنسي. وفي الخانة المخصصة للوفيات ورد ذكر المتبرّعين الفرنسيين والأوروبيين. كما وتم التشجيع على القيام بالحج إلى الأرض المقدسة (فلسطين) وعلى تبني الأيتام من جانب العائلات الفرنسية.

من بين المؤرخين الإخباريين الأب "دو داماس" اليسوعي الذي كان المرشد لدى القوات العسكرية الفرنسية أثناء حرب القرم، وقد كتب واصفاً المحن التي مرّت بها الطائفة الكاثوليكية الجديدة في بلغاريا (العدد 14 من المجلة)، كما وصف مذابح الموارنة في جبل لبنان على يد الدروز في عام 1860 (العدد 24).

في المجال الثقافي، اهتمت جمعية "عمل الشرق" بتمويل نشر القاموس المشهور الفرنسي-العربي الصادر في عام 1863 والذي ما زال قيد الاستخدام، وموّلت مطبعة الرهبان الدومينيكان في الموصل الذين عُرضت منشوراتهم ضمن المحفوظات الوطنية في عام 2015.

سياسة الجمهورية الثالثة المعادية للإكليروس أدت إلى طرد رجال الدين من الأراضي الفرنسية مما دفع هؤلاء للانتقال بأعداد كبيرة نحو الإمبراطورية العثمانية (التي كان ربع عدد سكانها من المسيحيين في عام 1900)، وأتاح ذلك فتح مدارس جديدة أصبحت لاحقاً ذات اعتبار كبير، وكانت تستقبل التلاميذ من كافة الطوائف، مسيحيين ومسلمين ويهود، كما تم فتح جامعة القديس يوسف في بيروت. وبالتالي حصل مسيحيّو الشرق على مكانة أكثر أهمية من ذي قبل في بلدانهم، وهذا ما بيّنته أعداد المجلة. في عام 1931 أصبح عنوانها "عمل الشرق (Œuvre d’Orient) بدلاً من "عمل مدارس الشرق" (Œuvre des écoles d’Orient).

إنّ الوضع المأساوي الحالي لبعض الطوائف المسيحية التي نزحت عنوة من الموصل ومن القرى الواقعة في سهل نينوى، أو تلك التي هربت من الحركات الإرهابية في سوريا ومصر، هو وضع يستدعي اهتمام "عمل الشرق"، وأعداد المجلة التابعة لهذه الجمعية تبيّن الجهود المبذولة لإيجاد مساكن لائقة في أماكن أخرى للعائلات المنكوبة، أو لاستقبالها في فرنسا.

منذ أكثر من 160 سنة، تمثّل مجلة عمل مدارس الشرق التي أصبحت لاحقاً مجلة عمل الشرق، مصدراً مهماً يشهد علي كيفية العيش لدى الطوائف المسيحية في الشرق وتبيّن العلاقات بين هذه الطوائف من جهة والطوائف الفرنسية أو الأوروبية من جهة أخرى.

 

الصورة: "عمل مدارس الشرق" مجلة دورية. أبريل/ نيسان 1923