يُروى أنه في يوم من الأيام في ربيع عام ١٩٤٧ بينما كان راعي بدوي يبحث عن ماعز مفقودة اكتشف صدفةً كهف من الجرار الفخارية تحتوي على لفات قديمة مغطاة بكتابة قديمة. هل فعلاً الحيوان هو ما كان يبحث عنه البدويون؟ هل كانوا على علم بوجود هذه اللفات المخفية؟ أكانوا بالفعل في جرارات؟ ما هو محتواها؟ لمن كانت تنتمي؟ من حرّرها ثم نسخها؟ ... أسئلة و أخرى تتسيّد ملحمة اكتشاف مخطوطات البحر الميت. ملحمة ذات رهانات متعددة ما فتئت منذ حوالي ستة عقود تثير نقاشات وتساؤلات تتجدّد باستمرار مع تواصل البحث. لأن هذا الاكتشاف الذي يعتبر من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، لم يتوقف عن مُساؤلة أسس الديانتين اليهودية والمسيحية التين أصبحتا مُرتبطتين أكثر من أي وقت مضى من قبل بفضل هذه المكتبة الغامضة المدفونة في الصحراء.

وسرعان ما سيسعى البدويون إلى الاستفادة من اكتشافاتهم. سيعرضونهم على اثنين من تجار الكنيسة السورية، اللّذان سيعرضانهم بدورهما على المُشرف على دير القدّيس مارك بالقدس، المطران مار أثاناس صامويل. وفي الوقت نفسه، وعن طريق وسيط آخر، وصلت مخطوطات أخرى اكتشفها البدويون إلى الأستاذ إليزار سوكينيك من الجامعة العبرية في القدس، الذي سرعان ما اقتنع بأهمية هذه الاكتشافات وسعى للحصول على كل القوائم بما في ذلك تلك الموجودة بين أيدي المطران مار صامويل. ومع ذلك فإن هذا الأخير، ظنّاً منه أن بإمكانه إنجاز أرباح أهم في الخارج، قرر إبقاء القوائم وتجريب حظه في الولايات المتحدة. إلا أن محاولاته بيعها بائت بالفشل مما أدّاه إلى نشر إعلانا في إحدى الصحف في عام ١٩٥٤.

كان ابن سوكينيك المتوفى سنة ١٩٥٣، ايكائيل يادين، هو من اشتراهم تحت اسم مُزيّف تفادياً لإثارة أي شكوك. ومرّت سنتان كاملتان بعد الاكتشافات الأولى في عام ١٩٤٩ قبل أن تم إخبار عن طريق منشور أمريكي مدير المدرسة الإنجيلية والأثرية في القدس، الأب رولاند دي فو، بالإضافة إلى مدير قسم الآثار في الأردن جيرالد لانكاستر هاردينغ. نظم هذين الأخيرين فوراً حفريات أسّست لسباق حقيقي وراء المخطوطات. كما انخرط علماء الآثار من المدارس الأثرية الفرنسية والإنجليزية والأمريكية في القدس في منافسة حقيقية ضد البدويين في مُنحدرات الموقع. كما دخل السباق أيضا في سوق الآثار في ظل التوترات المرتبطة بإنشاء دولة إسرائيل.

احدى عشر كهف من بين الكهوف المائة التي تمّت زيارتها منذ ١٩٤٧ حتى ١٩٥٥ كشفت أسرارها، مُظهرتاً  حوالي 900 من المخطوطات في شكل مئات الآلاف من الشظايا. لا ريب أن هذا العدد يمثل جزأ صغيرا من ما كان  يوجد أصلا هناك. وفي الواقع، على مر القرون، دُمِّرت العديد منها بسبب الاعتدائات المناخية بينما وُجِدَ البعضُ الآخر مسروقاً ومُتناثراً. في بداية القرن الثاني، يعلن عالِم الكتاب المقدّس الكبير أوريجينوس أنه وجد نسخة غير معروفة من المزامير داخل جرة. وفي القرن الثاني عشر، يقول تيموثي، بطريرك من بغداد، أن صيادا عربيا اكتشف كهفا مليئا بالكتب بينما كان يبحث عن كلبه. وهكذا كانت تتعرض مخابئ المخطوطات الى الإفساد باستمرار. وبالإضافة إلى ذلك، كشفت كهوف أخرى واقعة حول الإحدى عشرة المعنية عن جرارات مكسّرة وعن أنسجة، مما يشير إلى أنه كان هناك بالتأكيد لفّات.

هذه الكتابات كلها تنتمي إلى الأدب اليهودي قبل سقوط معبد القدس (٧٠ بعد الميلاد). لم يتم العثور على أي نوع آخر من الكتابة (سواء إدارياً كان أو تجارياً أو مُراسلات أو أرشيف خاص ...)، باستثناء لفّة غريبة من النحاس، خريطة كنز، لم يُكتشف بعدُ المعنى ورائهما. ولقد فصل مفكِّكوا الرّموز الأوائل المخطوطات إلى فئتين اثنتين : فئة توراتية و فئة غير توراتية. لكن ومع تقدّم التفكيك تدريجياً، انخفضت نسبة المخطوطات التوراتية، أي التي تم تحديدها كجزء من الكتاب المقدس العبري والمسيحي (العهد القديم)، (حوالي ٢٥٪ من المجموع)، لصالح كتلة من النصوص الدينية التي لم يتم تحديدها في الكتاب المقدس، والتي كانت تسمى "أبوكريفا" أي "خفية"، لا يُحتفَظُ بها من قبل القانون التوراتي. ومع ذلك، فإن معظم هذه النصوص تتعلق بالكتب التوراتية، تقترح قرائات أو نسخات جديدة لها. وإن كانت قد اختفت من الرواية الرسمية، فإنها لا تزال موجودة في التقاليد الشعبية. وهكذا وصلنا عدد معين من النسخ من القرون الوسطى، اليهودية أو المسيحية. غير أن عددا قليلا منها ظلّ مجهولا تماماً.