عندما نتحدث عن الشرق كما تصوره غوته (1749-1832)، فإن تفكيرنا ينصرف مباشرة إلى مجموعته المتأخرة "الديوان الغربي الشرقي" (1819-1827)، التي قدمت حافظ وكبار شعراء بلاد فارس في العصر الوسيط إلى جمهور القراء الألمان، والتي شكل عنوانها الأصلي (West-östlicher Divan) وطابعه الحواري مصدر إلهام قوي امتد تأثيره حتى طال دانييل بارينبويم والأركسترا الإسرائيلية الفلسطينية التي أسسها ومنحها اسم أركسترا الديوان الغربي الشرقي. ذلك الحوار هو ثمرة لاهتمام قديم وهو ثمرة في الآن ذاته لتضافر جملة من الشروط المؤاتية. فسقوط نابليون الأول في أبريل 1814 قد دق بالفعل جرس نهاية الحروب التي يسميها الألمان "حروب التحرير". وهذا كان يعني لغوته إمكان زيارة منطقة رينانيا، ورؤية فرانكفورت –مسقط رأسه– من جديد، وبالتالي إمكان مغادرة فايمار من دون الحاجة إلى سلوك طريق الشرق. بيد أن غوته، في الفترة التي استهل فيها رحلته نحو الغرب، كان قد اكتشف لتوه، بفضل الترجمة التي قام بها المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر-بورغشتال، ديوان الشاعر الفارسي محمد شمس الدين، الملقب بــــــ "حافظ" ("الشخص الذي يحفظ القرآن"). وقد مثلت مطالعة هذا الكتاب الشعري بالنسبة لغوته صدمة بلغت قوتُها الحدَّ الذي جعله، بعدما أحس أنه مهدد في قريحته ذاتها، يتفاعل مع ذلك الكتاب عن طريق التملك المبدع: إذْ أنه شرع في نَظْمِ ما سيصبح لاحقا "الديوان الغربي الشرقي". إن السفر الواقعي نحو الغرب، أي نحو الموطن الأصلي، يتحقق في صورة رحلة ذهنية نحو الشرق، أي نحو الآخر، وذلك بواسطة نمط من الكتابة أُضفي عليه "الطابع الشرقي" بشكل حاسم.

إن غوته، الذي نشأ في أسرة بروتستانتية، قد أَلِفَ منذ سن مبكرة عالم الشرق الأدنى في الكتاب المقدس. لقد كرس نفسه للدراسة النقدية للكتاب المقدس، أي للقراءة الفيلولوجية والتاريخية للنص المقدس، التي تهدف إلى التمييز بين ما يندرج ضمن السياق التاريخي وما يمثل وحيا إلهيا بمعناه المخصوص. ولم يكن العالم العربي الإسلامي بدوره مجهولا بالنسبة له: في مرحلة شبابه، قاده إعجابه بالقرآن إلى التفكير في دراسة اللغة العربية، كما أنه كتب قصيدة وجزءا من مسرحية درامية عن النبي محمد. بل إن الأمر قد بلغ به إلى محاولة نسخ بعض سور القرآن، وهو ما سيعود إلى القيام به من جديد في نهاية سنة 1813. كان غوته معجبا أيضا بالقصائد الملحمية لما قبل الإسلام المعروفة بالمعلقات. أما فيما يخص الشعر الفارسي الذي يتنزل في صميم مشروع الديوان، فقد كانت معرفته به ترجع بالأساس إلى بعض قصائد حافظ وإلى نصوص السعدي الذي كان أول شاعر إيراني يحصل له منذ القرن 17 الميلادي بعض الاطلاع على أعماله في ألمانيا.

 يمكن القول إذن أن قراءة ديوان حافظ بشكل كامل هي التي قادت بالفعل إلى الشروع في عملية استكشاف شامل للثقافة الشرقية. إن عرض المصادر والإشادة بكبار المستشرقين التي تَرِدُ في الديوان (بدءاً بسيلفيستر دو ساسي) يدلان على رغبة غوته في تحصيل معرفة معمقة بالمجالات الثقافية الشرقية الكبرى الثلاث: التركي والعربي والفارسي. غير أن إدماج هذه المجالات في المشروع الضخم المتمثل في "الديوان الغربي الشرقي" يرتبط أيضا بمرحلة من مراحل حياة غوته.

وبالفعل فقد تعرف غوته، إبان رحلته إلى رينانيا خلال صيف 1814، على ماريان يونغ، ابنة صديقه فيلمير بالتبني، والتي كانت تستعد للزواج من حاميها. وفي غضون بضعة أسابيع من اللقاءات المتقطعة، نشأت بين الشابة البالغة من العمر ثلاثين سنة والشاعر الذي كان قد بلغ سن الخامسة والستين علاقة عاطفية ممزوجة بالحنان والحب، لكن هذه العلاقة سرعان ما تم التسامي بها في إطار الأدب الشرقي (كان غوته قد أهدى لماريان فيلمير نسخة من ترجمة ديوان حافظ، وقد ساعدتهما هذه النسخة من الترجمة على تبادل رسائل مشفرة بواسطة الاقتباسات التي تخللتها).

وهكذا أدى الغوص في الشعر الفارسي والعربي الإسلامي المكتوب فيما بين القرن 11 و15 الميلاديين، وكذا التسامي بعلاقة حب مستحيلة إلى ميلاد عمل أدبي عظيم من أعمال غوته: مجموعة مكونة من اثني عشر كتابا، أو كتابُ كتبٍ، حيث تلعب الاستعادة الموسوعية لشخصياتٍ وأشكالٍ وأنماطٍ شرقية دور المرآة بالنسبة للتراث الشعري والديني للغرب وأيضا بالنسبة لتنشيط قريحة الشاعر واستعادة شبابه.

يقوم "الديوان"، الذي يتمثل في هيأة نشيد للحب يتوجه به حاتم-غوته إلى زليخة-ماريان، على أساس خطابٍ مزدوج القصد: فهو في نفس الوقت حوار مع الشرق وتمرين تربوي موجه إلى الجمهور الألماني. ويتجلى هذا الأمر بوضوح في إضافة "تعليقات وأبحاث تعين على فهم الديوان".  لقد قرر غوته، بعدما قُوبِلَتِ النشرة الأولى للجزء الغنائي من "الديوان" باستقبال فاتر بسبب الجهل بالثقافة الفارسية والعربية السائد آنذاك في ألمانيا، أن يضيف تعليقات شارحة من أجل توضيح السياق التاريخي والثقافي للشعر الفارسي، ومن أجل تقديم المصادر التي اعتمد عليها واقتراح نماذج للتفسير والتأويل.

انطلاقا من القناعة الراسخة – التي أصبحت متجاوزة في عصر العولمة المابعد كولونيالية – بأن "الشرق لن يأتي إلينا"، يدعو غوته إلى انفتاح القارئ الألماني على الشرق والتشبع به، وإلى استيعاب الثقافات الشرقية، مع الوعي التام بهويته الغربية الخاصة. وهذا هو السبب في أن "الديوان" ليس مجرد محاكاة لحافظ وللشعر الفارسي، أو مجرد إعادة صياغة سطحية وغرائبية. إنه عمل أدبي مبتكر وأصيل يعمد بكل تأكيد، وبصورة منتظمة، إلى استعارة صور شعرية أو أنماط تعبيرية من شعراء فارسيين أو أتراك أو عرب. لكن خلافا للشاعرين أوغست فون بلاتين أو فريدريش ريكيرت اللذين سيستثمران لاحقا المنهج الذي دشنه غوته، فإن هذا الأخير لم يكن يسعى إلى إنجاز معارضة شعرية بأهداف تاريخية، ولا حتى إلى محاكاة النمط الشعري الأساسي في التراث العربي الفارسي المتمثل في الغزل.

يمثل "الديوان"، بوصفه نظرة تأملية في مقارنة الثقافات وفي نقل مختلف أشكال التراث (في أعقاب هردر، أظهر غوته نوعا من النسبية ودَحَض المقارنات التي كانت، على سبيل المثال، ترى في الفردوسي هوميروس الشرق، أو ترى في حافظ ندّاً لهوراس)، أول عمل أدبي عظيم مكتوب باللغة الألمانية له مشاركة في تكوين صورة الشرق. يعتبر غوته، شأنه في ذلك شأن هردر، أن معرفة الشعوب تتحقق بواسطة التاريخ والأدب والأساطير والدين، أي – بعبارة مختصرة – عن طريق استثمار الوثائق المكتوبة. وبهذا المعنى، فإنه يقع تحت طائلة النقد الذي وجهه إدوارد سعيد، في دراسته عن الإستشراق، للشعراء والكتاب الألمان، والذي مفاده أنهم لا يقدمون عن الشرق سوى تلك الصورة النمطية التي ترد عنه في الكتب، والتي لم تكن أبدا واقعية كما كانت مصر أو سوريا بالنسبة لشاتوبريان وبورتون أو بالنسبة لنرفال. غير أن غوته، أثناء سفره التخيلي، يبذل جهدا صادقا من أجل الولوج إلى خصوصيات الآداب والثقافات التي ينظر فيها، وفهم منطقها ومسارات تطورها، ومن أجل تحبيبها إلى الجمهور الألماني. إننا هنا، أي في إطار أعمال المرحلة الكلاسيكية من حياة غوته الذي لم يكن قبل سنة 1815 يشاطر الاهتمام الرومانسي بالشرق بالرغم من إعجابه بالقرآن، بإزاء ما يشبه لحظة ارتخاء وانبساط القلب التي تسمح باستقبال دم جديد. وفي هذا السياق، فإن "الديوان" يشكل من دون شك انفتاحا لجماليات غوته على نماذج معارضة للنزعة الكلاسيكية، وإن كان لا يخفي نفوره من الفن الهندي ومن آلهته العديدة والمتنوعة.

هل ما سبق قوله يعني أنه من الوارد أن تكون أصفهان وشيراز، في السنوات الممتدة من 1814 إلى 1827، قد أزاحتا أثينا وروما عن العرش الذي كانتا تعتليانه في ذهن غوته؟ الجواب هو لا، لأنه إذا كان غوته قد صاغ في أواخر حياته ذلك المفهوم الشهير الذي أطلق عليه وصف "الأدب الكوني"، فإنه لم يتخلى مع ذلك عن النموذج اليوناني: "رابضوا في الأراضي اليونانية، فالمرء لا يكون بحال أفضل في أي مكان آخر غيرها؛ لقد أدركت هذه الأمة كيف تستخلص من ألف وردة قارورةَ زيتِ وردٍ" (رسالة إلى ريمير، 25 ماي 1816). ومثلما يفعل الثعبان الذي يتخلى عن جلده بجانب الطريق، فقد ابتعد غوته عن "الديوان" بمجرد ما فرغ من تأليفه، وفقا لما صرح به هو نفسه لإيكرمان سنة 1827. يظل "الديوان" عملا فريدا من نوعه بفضل اتساع وعمق الحوار الذي يقيمه مع الأوجه المتعددة والمتباينة للثقافة الشرقية. لقد نظم غوته، في سنة 1827، مجموعة شعرية صغيرة الحجم بعنوان "ساعات وفصول صينية وألمانية"؛ لكن هذه المجموعة، رغم ارتكازها على تعارضات سبق التطرق إليها في "الديوان"، ليس بوسعها منافسة المشروع الفارسي، والسبب في ذلك لا يرجع فقط إلى أن غوته قد تعذر عليه في تلك الفترة الاستناد على أبحاث متقدمة في دراسة الثقافة الصينية وحضارتها، بل ربما أيضا إلى أن النهوض بحوار بذلك الاتساع والعمق لم يكن أمرا ممكنا بالنسبة له سوى مرة واحدة في خريف حياته.                             

 

الصورة : Johann Wolfgang von Goethe. Lithograophie de S. Bendixen ; d'après un dessin de C. Vogel. 1826