هذا الكنز محفوظ حالياً في قسم القطع النقدية والميداليات والتحف العتيقة بالمكتبة الوطنية الفرنسية (BnF). له أهمية مزدوجة . من جهة يشهد على التداول بالنقود على ساحل المشرق في حقبة مضطربة من تاريخ هذه المنطقة، ومن جهة أخرى يشكّل أول كنز نقديّ خضع لدراسة علمية منهجية، منذ منتصف القرن الثامن عشر.

في الواقع، الاهتمام للكنوز ليس حديث العهد. إنّ هذه الدراسة العلمية الأولى المتعلقة بالكنوز أجريت في عام 1765، ودُوّنت في مجلّد بعنوان "مزيج من الميداليات المتنوعة، من أجل إكمال مجموعات ميداليات الملوك والمدن"، باريس، 1765. وهو عمل قام به جوزيف بالوران (Joseph Pellerin)، أحد الهواة المنشغفين بجمع القطع الذي استطاع أن يجمع ما يناهز 35500 قطعة نقدية يونانية دوّنها ضمن فهرس. فيما بعد اشترى الديوان الملكي المجموعة بكاملها وعاد فورثها لاحقاً قسم القطع النقدية والميداليات والتحف العتيقة بالمكتبة الوطنية الفرنسية. والعرض الذي قدّمه جوزيف بالوران حول هذا الاكتشاف تميّز بالدقة الفائقة مما يدل على المستوى العلمي المرموق الذي تمتّع به الباحث المذكور. وتم تحديد المصدر الجغرافي للمجموعة بشكل دقيق من خلال أقوال الشخص الذي باعها في اللاذقية واختفى بعد ذلك. في الواقع، اشترى جوزيف بالوران الكنز عبر أحد مراسليه في سوريا دون أن يكون هناك أية وساطة أخرى. أما الانتماء المادي للقطع النقدية، التي يسميها جوزيف بالوران الميداليات، فقد وُصف بشكل شيّق مما يسمح بإعطاء فكرة عن شكل كنز وصل بين يدي الباحث دون أن يكون قد جرى تنظيفه:

"كانت القطع سوداء مثل الرصاص القديم، ومعظمها غطته طبقة من التربة المتينة واللاصقة بالمادة لدرجة يستحيل فيها اعتبارها من فضة إن لم نعمل على كسر بعضها في المكان الذي وُجدت فيه، قبل العزم على شرائها. كان التراب عالقاً بها ومندمجاً فيها بشكل جعل نزع التراب أمراً عسيراً. ومن المرجّح أنّ حريقاً كان قد اندلع في المكان الذي استودعت فيه، والعديد منها تضرّر وتشوّه من جرّاء لهب النار القوية. رغم ذلك هي قطع رائعة وكاملة في غالبيتها".

منذ القرن الثامن عشر، أُدرجت مجموعة جوزيف بالوران في الصندوق العام لقسم القطع النقدية والميداليات والتحف دون أن توضع عليها علامة تميّزها، مما يتطلّب المعاينة الدقيقة والاستعانة بنقوش الكتاب من أجل التعرّف على بعض النسخات التابعة لهذه المجموعة. والقطع التي يمكن تمييزها هي تلك التي تحمل آثاراً من جرّاء تنظيف غير متأنّ ترك خدوشاً عميقة في المعدن. ويشير جوزيف بالوران أنّ "عدد هذه الميداليات [...] يتعدى المئة" دون أن يضيف تفاصيل أخرى. وما تبقى من الوصف يفيد بنوع خاص أنّها قطع نادرة دون أن يضع قائمة بها على غرار ما يجري اليوم، ولكن هذا الوصف مفصّل بشأن كل قطعة تعتبر مهمة، كما ويقدم تعليقاً تاريخياً عندما يكون الأمر ممكناً. والتفاصيل تدور حول ورش العمل، وتخمين مدة القطع على أساس الحقبات المحلية، وإشارات الرقابة التي وضعت على القطع النقدية، والأنواع، ورسوم الملوك وتاريخ الممالك والمدن، ومدة الكنز. وهي قطع كان يمتلكها الملوك الذين خلفوا الإسكندر الكبير في الشرق (الإسكندر نفسه، وليسيماخوس، والملوك السلوقيون، وميثراداتس الثالث)، أو قطع تابعة لمدن آسيا الصغرى (الأبندا وسيده) أو كذلك مدن المشرق (أرواد)، تفصيل جاء بأسلوب علمي يثير الإعجاب. ويجدر بالذكر في هذا السياق ما هو جديد في تساؤلات جوزيف بالوران الذي ساهم من خلال هذه الدراسة بفتح أبواب العلم الحديث في دراسة القطع النقدية والميداليات، فإنّ تحديد المصدر والمحتوى، من جهة، وعدد النسخات ووصف حالتها المادية من جهة أخرى، دلت على بصيرة ذات مستوً عالٍ. جوزيف بالوران هو أول من تساءل حول تاريخ دفن الكنز، وهو أول من اعتبر الكنز بمثابة مجموعة أثرية قد تشهد برأيه على رحلة أحد التجار. في الواقع، هي قطع من الفضة كانت تجوب الأقطار إبّان الحروب بين الممالك اليونانية ومن المحتمل أنها استُخدمت لدفع رواتب الجنود.

حصر جوزيف بالوران معاينته في المعلومات الجديدة فقال: "بعد الكلام عن ميدالية ميثراداتس وميداليات الإسكندر التي جاءت من الإيداع الذي اكتُشف بجوار اللاذقية، لم يبقَ سوى القليل للكلام بشأن ميداليات الملوك الآخرين التي عُثر عليها في المكان عينه، فليس فيها من مواصفات غير معروفة".

هذا تاثير تركته ذهنية هواة جمع القطع في القرن الثامن عشر الذين كانوا يسعون إلى سد الفراغ في المجموعات المعروفة، دون السعي في المقابل إلى تجميع النسخات وإجراء دراسة كميّة بشأنها. لكنّ ما قيل هو الأساسي: طرح جوزيف بالوران الأسئلة الكبرى التي ما زلنا نحاول الإجابة عليها من خلال دراسة الكنوز.

 

الصورة: قطعة نقدية، أربعة دراخمات، من فضة.