التحق بمدرسة سان سولبيس الإكليريكيّة الكبرى في العام 1843، واكتشف الشاب البريتونيّ باكرًا شغفًا باللّغات الشّرقيّة، ويعود الفضل بذلك أيضًا لتعمّق أستاذ اللّغة العبريّة أرتور-ماري لوهير وانفتاحه نسبيًّا. كان تقدّمه سريعًا لدرجة أنّ لوهير أوكله في العام الذي تلى (بعمر 21 عامًا) إعطاء درس القواعد العبريّة للمبتدئين. وسمح له في الوقت عينه متابعة دراسات خارجيّة في كليّة فرنسا والسوربون. كما حضر دروس أوجين بورنوف (سنسكريتي) وإيتيان كترومير (عبري وكلداني وسرياني وفارسي) وجوزيف توساّن رينو وأرمان-بيير كوسّان دي بيرسوفال (عربي). في العام 1845 ترك رينان المدرسة الإكليريكيّة واتّجه نحو مهنة مستشرق أكاديميّ، مهنة اتّسمت بالسّرعة والتألّق: حاز على جائزة فولني من المعهد عن دراسة تاريخيّة ونظريّة عن اللّغات الساميّة عامّة، وعن اللغة العبريّة خاصّة -التي فتحت له أبواب الجمعيّة الآسيويّة في 1847- انتُخب العام 1856 في اكاديميّة الكتابة والآداب (حيث كانت حصيلة اندفاعه في العام 1867 وهو جمْع للكتابات الساميّة على شاكلة المدوّنة الألمانيّة للكتابات اليونانيّة واللّاتينيّة)، ثمّ في العام 1862 عُيّن رئيسًا لقسم اللّغات العبريّة والكلدانيّة والسريانيّة في كليّة فرنسا.     

قام في العام 1860 بأوّل زيارةٍ له إلى الشرق مكلّفًا ببعثةٍ أثريّةٍ إلى فينيقيا، فعبر لبنان وسوريا وفلسطين. قام خلال هذه المرحلة الأخيرة، وفي دفاتر ملاحظات الرحلة، بكتابة الخطوط العريضة لكتاب حياة المسيح وكذلك الجزء الأوّل من تاريخ أصول المسيحيّة. لم يسْعَ رينان من خلال ملاحظاته المكتوبة فقط إلى تحديد مواقع غريبة لكتبه، بل كان هدفه أكثر طموحًا: أن يقطر حياة في رواياته عن التكوين والديانة المسيحيّة. أمّا رحلته الثّانية الى الشرق فكانت إلى مصلربرفقة زوجته كورنيلي شيفير (1864- 1865)، حيث زاروا سقّارة والأهرام برفقة أوغوست مارييت،  ثمّ عادوا نزولًا عبر النيل من أسوان إلى القاهرة (ظهرت مقالة في مجلّة العاَلمَين تتعلّق بهذه الرّحلة بعنوان ألآثار المصريّة وتنقيبات م. مارييت ). تواصلت الرّحلة باتّجاه لبنان وسوريا ومن ثمّ آسيا الصغرى واليونان. في حين أنّ الرّحلة الأولى إلى الأرض المقدّسة والتي نتج عنها حياة المسيح كانت نوعًا ما إضافة على مهمّته الرئيسيّة، فإنّ رحلة رينان هذه المرّة كانت برنامجيّة : إذ كان الكاتب يسير على خطى القديس بولس والرّسل الذين أسّسوا أولى الكنائس المسيحيّة، عبر زيارة البلدان التي عبروا أو أقاموا فيها، ليضفي على قصّته "لَوْنًا وحياةً".

في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) كتب رينان إلى هنري هاريس "سوف أرى أنطاكيا، طرسوس، باتموس، إفسوس، كولوسي، سالونيك، أثينا وكورنثيا"، "إن النقطة التي سينصبّ المجهود عليها في أبحاثي هي دراسة المكان، والهواء المحيط نوعًا ما بالكنف الذي تطوّرت فيه المسيحيّة. أريد لكل من إفسوس وكورنثيا وسالونيك أن يكون لها طابعها الخاص وأن لا تتشابه في ما بينها. أريد لكل واحدة من كنائسي التي سوف تعود لها فوائد وحياة النص أن يكون لها وجودها المتميّز". قام رينان بالإفادة من ملاحظاته عن رحلته الثّانية إلى الشرق الأوسط ليطوّرها في الجزئين الثّاني والثالث من تاريخ أصول المسيحيّة والرسُل (1866) والقدّيس بولس  (1869). ولكن رسم وذكريات الأماكن التي زارها عادت لتَظهر من جديد في الأجزاء التي تلت: المسيح الدّجّال (1873)، الأناجيل والجيل المسيحيّ الثّاني (1877)، الكنيسة المسيحيّة (1879) و ماركوس أوريليوس ونهاية العالم القديم (1882).

ظلت أنظار رينان وحتّى أيّامه الأخيرة شاخصةً باتّجاه الشرق. ما بين العام 1885 ووفاته في العام 1892. عمل رينان بشكل حثيث على "نِتاجه الأدبيّ الجدّي" في شيخوخته، "جسر الوصل ل[...] ما بين اليهوديّة والمسيحيّة": تاريخ شعب إسرائيل الذي صدرت منه ثلاثة أجزاء ما بين 1887 و1891 وكذلك جزءان في العام 1893 بعد وفاته. سعى رينان مرّاتٍ عِدّةً لتنظيم رحلة ثالثة إلى الشرق في محاولة "لنفخ الروح" في أبطال روايته الجديدة، ولكنّها لم تتحقّق.

لقد كان الشرق بالنسبة لرينان واحدًا من مبدأين فصّل حولهما فلسفته عن التّاريخ، نظرًا لكونه أرضًا جغرافيّةً واقعيّةً ولكن في الوقت عينه مكانًا مثاليًا متجذّرًا في الماضي. وهكذا -ليس من دون بعض الحتميّة الجوهرية التي تتجلّى غالبًا بأحكام على القِيم- ينظر الشرق والغرب إلى بعضهما في ما يجسّدان بطرق مختلفة: لغات ساميّة ولغات آريّة، توحيد وشِرك بالله، القدس وأثينا، روحانيّة وماديّة، دين وعِلم. الحضارة الإنسانيّة هي نتاج "المتوازي الأضلاع" لهاتين القوّتين، إرث المواجهة والنّضال لهذين المصدرين.

 

شرح الصّورة: جوزيف ارنست رينان للمصوّر أ. ليبرت. 1884