نظر ملوك فرنسا ووزراؤهم بشكل سلبي إزاء المجموعات الفرنسية الصغيرة أو الأمم التي كانت تقيم في موانئ المشرق أي القنصليات. في الواقع، موانئ المشرق هي المدن الساحلية المشرقية التي تواجدت فيها القنصليات الفرنسية، وللملائمة أُطلقت التسمية عينها على القنصليات الواقعة في الأراضي الداخلية مثل حلب والقاهرة. والرسائل التي كانت ترد من نواب الأمم الفرنسية في المشرق ومن القناصل لم تكن تتطرّق سوى للإشكاليات دون أن تتكلّم عن الشؤون التي كانت تسير على ما يرام. والمعلومات التي كانت تصل إلى فرنسا من المشرق لطالما مرّت عبر هيئات عديدة قبل أن تصل إلى الوزراء المعنيين. من هذه الهيئات، غرفة التجارة في مرسيليا، وهيئة الإشراف على منطقة البروفنس، وأقسام الخدمات التابعة للوزير، الأمر الذي كان يعطي أثراً مضاعفاً حول نظرة الوزراء فكانوا لا يرون في المشرق سوى الفوضى والاضطرابات ضمن جاليات الانتشار في أرض عثمانية.

في الواقع، كانت موانئ الشرق، أي القنصليات الفرنسية، تشكو من الخلل في الإدارة لاسيما في ما يتعلق بالاستدانة الدائمة من المرابين المحليّين بسبب عبء المظالم التي كان يفرضها الضباط العثمانيون، وعدم إقامة القناصل في المشرق، والنزاعات بين التجار والقناصل وغيرها من أوجه الخلل. أما الامتيازات فقد أتاحت لفرنسا وضع الأسس لشبكة من القنصليات في المشرق وفي بلاد البربر [شمال أفريقيا]، وبموجب هذه الامتيازات تنازلت الدولة العثمانية عن جزء من سيادتها لصالح هذه القنصليات. لم يكن المقيمون الفرنسيون يخضعون للضريبة ولا لقوانين الإرث لدى وفاة أحدهم، وكانوا يتمتعون بالحرية الدينية التامة، كما وخضعوا لسلطة القنصل الذي كان يتمتع بصلاحيات الولاية عليهم في ما يعود للشرطة والقضاء. كان يحق للقنصل أن يرحّل بالقوة إلى فرنسا كل فرنسيّ يخالف الأحكام.

ومن أجل معالجة هذه المساوئ، سعى كولبير دون جدوى إلى فرض الإقامة في المشرق على القناصل وأنشأ ما عُرف بــ"شركة البحر الأبيض المتوسط" التي شكّلت محاولة فاشلة. ومن أجل تحسين الوضع، كان لا بد من إلغاء المهمة الجشعة للقنصل وتحويله إلى ضابط مَلكيّ يعمل براتب شهري. إنّ المرسوم الهام بشأن البحرية الصادر في عام 1681 والذي كمّلته الأنظمة الصادرة عن كولبير، وبعده المرسوم الصادر عن المجلس الذي ترأسّه الماركيز سانيولاي Seignelay، وضع الركائز الرئيسية لتنظيم القنصليات، وعمل الوزراء تباعاً على إكمالها. احتفظ القنصل بسلطته على مستوى الشرطة والعدل لكنّه جُرّد من سلطاته المالية لصالح جمعية الأمم. المرسوم الصادر بتاريخ 20 أكتوبر/تشرين الأول 1685 حظّر الإبحار نحو المشرق وبلاد البربر دون إذن مسبَق من غرفة التجارة في مرسيليا التي كانت تُصدر وثائق إقامة. أما الإصلاح الذي قام به كولبير وابنه الماركيز دو سانيولاي فقد لاقى مقاومة من جانب القناصل الذين حُرموا بموجبه من إيرادات هامة بسبب حظر التجارة وإلغاء الضرائب التي كانوا يتقاضونها بمثابة أجور لهم. أما بالنسبة إلى التجار، فقد اعترضوا على هذا التقليص من حرياتهم، غير أنّ هذه الاحتجاجات المحترمة لم تؤدِّ إلى نتيجة، وتمّ التعبير عن المقاومة باعتراض في موانئ المشرق ضد رجال الدين ليصل هذا الاعتراض أحياناً إلى رفض ممارسة الشعائر المسيحية لاسيما خلال الفترة الواقعة بين عامَي 1685 و1715.

استطاع الوزراء فرض إصلاح منصب القنصل معتمدين في ذلك على مؤسسة عرفية هي مجلس الأمة الفرنسية المحلّي. وقد أنيطت بهذا المجلس سلطة إصدار الأنظمة الداخلية في المنطقة المعنيّة، ووقع على عاتق القنصل تطبيق هذه الأنظمة. والاختصاصات المالية التي أنيط بها القنصل في السابق أصبحت من مهام مجلس الأمة المحلي الذي كان ينتخب نائبين يعاونان القنصل فأصبح هذا الأخير منذ عام 1691 موظفاً بكل معنى الكلمة ولم يعد له الحق في أخذ القرارات أو الأحكام دون اجتماع مجلس الأمة بحضور النائبين اللذين يعاونانه.

أما التدابير التي اتخذها الذين خلفوا كولبير والماركيز دو سانيولاي بعد عام 1685، فكانت تتوجّه جميعها نحو المزيد من السلطة والمركزية، باستثناء فترة الوصاية على العرش. من هذه التدابير تحديد عمر الأشخاص المتوجهين إلى المشرق، ومنع تواجد النساء والفتيات والبروتستانت في المشرق، وهي التدابير التقيّيدية الأولى. وفي ظل نظام مورباس فيلنوف Maurpas Villeneuve (1769-1729) تفاقمت المركزية وازداد التشدد في تجديد أوراق الإقامة في المشرق وتمّ تحديد عدد المؤسسات التجارية، وفُرض على التجار دفع مبلغ تأمين، كما وحُظّر امتلاك العقارات في المشرق. أُلغي هذا النظام في عام 1769 مما فسح المجال أمام التجار لبعض الهوادة؛ لكنّ مرسوم التجارة البحرية الصادر في عام 1781 فرض من جديد القوانين السابقة كما وفرض على الفروع الأساسية في مرسيليا أن تجعل من مدرائها شركاء في المؤسسات.

.