استُحدثت عبارة "امتياز" (Capitulation) في نهاية القرن الخامس عشر واستُخدمت بمعنى التفاوض. على المستوى القانوني، الامتياز هو معاهدة أو اتفاقية تتعهد بموجبها دولة معينة بضمان بعض الحقوق الاستثنائية على الأراضي التابعة لها. والمعاهدة التي كانت تربط بين الإمبراطورية العثمانية وفرنسا أعطت امتيازات للسلطة الملكية الفرنسية، وكل امتياز منها كان يشكّل موضوع اتفاقية عُرفت بدورها بالتسمية "امتياز". والحقوق التي منحها السلطان العثماني إلى أمة أجنبية لم تقتصر على مستوى التجارة والجمارك. وهذه الحقوق الاستثنائية كانت قابلة للمفاوضة، ورغم ذلك لم تشكّل الامتيازات اتفاقية بكل معنى الكلمة وكان تمديدها وتنفيذها يتعلقان بوضع العلاقات بين إسطنبول والجهة الأجنبية المعنية. اندرجت "الامتيازات" ضمن ممارسات قديمة تميّزت بها الإمبراطورية البيزنطية التي كانت تمنح السلطات الأجنبية تسهيلات جمركية وتجارية بالإضافة إلى الحق في إنشاء مؤسسات تجارية على أرض الإمبراطورية البيزنطية، كما حصل مثلاً بالنسبة للامتيازات لصالح جنوى والبندقية. وبعد سقوط القسطنطينيّة بتاريخ 29 مايو/أيار 1453 استمرّ العثمانيون في تطبيق هذا الإجراء وأكدوا على الحقوق الممنوحة لسكان جنوى والبندقية. أما الامتيازات الممنوحة لفرنسا فجاءت نتيجة الخطر الذي شكلته إمبراطورية شارل الخامس إزاء فرنسا والإمبراطورية العثمانية. وبحسب التقليد، مُنحت الامتيازات الأولى في عام 1536 لسفارة جان دو لافوريه Jean de la Forêt. وصحة هذه الاتفاقيات شكّلت موضع الشك من جانب المؤرّخ غاستون زيلّر Gaston Zeller في حين أكّدها المؤرّخ جوزيف بيليو Joseph Billioud. تمّ تأكيد الاتفاقيات التي تلتها وجرى تجديدها بشكل منتظم، كما حصل في الأعوام 1569، 1581، 1594، 1604 ومثّلت دليلاً على حسن العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين فرنسا والباب العالي. في عهد الملك لويس الثالث عشر، توترت العلاقات بين الإمبراطورية العثمانية وفرنسا، وتعرّض الكاردينال ريشيليو Richelieu للانتقاد من جانب الرأي العام بسبب تحالفه مع البروتستانت الألمان ومع السويد، ولم يطلب الدعم من الإمبراطورية العثمانية. كما وأنّ غزو العثمانيين لجزيرة كريت أدى إلى تدهور العلاقات بين الباب العالي وفرنسا. ولكنّ هذه العلاقات عادت وتحسّنت ابتداءً من عام 1672 بسبب النزاعات التي تعرّض لها كل من هذين البلدين، أي الحرب البولندية-العثمانية والحرب الفرنسية-الهولندية. تمّ تجديد الامتيازات في عام 1673. وبعد فشل حصار فيينا في عام 1683، عرفت الإمبراطورية العثمانية عدة نكسات بوجه حلف "الجامعة المقدسة" (البندقية، النمسا، روسيا، بولندا). ومعاهدة كورلويتز التي تمّ التوقيع عليها عام 1699 أدت إلى انسحاب الإمبراطورية العثمانية من الأراضي مما شكّل أول معاهدة سلام ضد مصلحة الباب العالي. عادت النزاعات من جديد في عام 1710، وانغلب الروس فاضطروا أن يسلّموا منطقة آزوف كما احتلّ النمساويون بلغراد وفرضوا السلام في باساروفجا عام 1718 لكنّ العثمانيين احتفظوا بمقاطعة موره التي استعادوها من سكان البندقية.

أدى دعم فرنسا للباب العالي إلى ظهور نزعة الفرنكوفيليا [أي حب الثقافة الفرنسية]. أما حرب 1736-1740 التي اندلعت بين روسيا من جهة والنمسا وتركيا من جهة أخرى، فكانت نسبيّاً لصالح تركيا. قامت فرنسا بوساطة نشيطة للغاية مما أدى إلى معاهدة سلام بلغراد في عام 1740. وبالتالي استعادت الإمبراطورية العثمانية الأراضي التي كان قد احتلّها النمساويّون والروس في عام 1718. وتعبيراً عن عرفانه، جدّد الباب العالي "الامتيازات" لفرنسا، والتوجهات الجديدة التي اعتمدتها الدبلوماسية الفرنسية في عام 1740، والتحالف الذي أقامته مع النمسا خلال حرب السبع سنوات هي أمور أدت إلى وقوع أزمة بين فرنسا وتركيا. تمّت السيطرة على هذه الأزمة مع الباب العالي لكنّ فرنسا خسرت الكثير من هيبتها في نظر العثمانيين ولم تتمكن من استعادة هذه الهيبة إلّا جزئياً بعد عام 1783 مع انهزام إنكلترا في حرب الاستقلال الأمريكية. بقيت العلاقات الفرنسية-العثمانية جيدة لغاية عام 1798 غير أنّ حملة بونابرت على مصر أدت إلى عواقب وخيمة بالنسبة إلى التجارة في موانئ المشرق. سُجِن القناصلة والتجار واحتُجزت ممتلكاتهم. وبعد إخلاء مصر في عام 1801، تمّ التوقيع على معاهدة سلام بين القوتين العظميَن في عام 1802 وعادت "الامتيازات" فتجددت في الوقت نفسه. استعادت فرنسا ما كانت قد خسرته وحصلت على الحق في الإبحار بحرية في البحر الأسود. في عام 1803، فرض بونابرت من جديد النظام الاستبدادي الذي كان سارياً في عهد النظام الملكي القديم والذي كان قد أُلغي على يد المجلس الوطني. وُضع في عام 1835 تقرير للملك بشأن التجارة في موانئ المشرق، ورد فيه إلغاء الكفالة ودخل حيّز النفاذ في السنة نفسها. لم تشكّل فرنسا القوة الأوروبية الوحيدة التي استفادت من الامتيازات. في الواقع، منذ مطلع القرن السابع عشر حصلت كل من بريطانيا العظمى وهولندا على "امتيازات" كانت تجدَّد بشكل منتظم. كما وحصلت قوات أخرى على مثل هذه الامتيازات مثل البندقية وفلورنسا وجنوى وتوسكانا، لكنّ فرنسا احتفظت طوال تلك الفترة بالمرتبة الأولى على مستوى التجارة في المشرق.

الحقوق الاستثنائية التي منحها السلطان للعرش الفرنسي لم تقتصر على المستوى التجاري. بالإضافة إلى الإعفاءات الجمركية الاستثنائية التي استفاد منها التجار الفرنسيون، أتاحت الامتيازات للفرنسيين أن يبقوا تحت سيطرة تشريعات ملك فرنسا. في الواقع، الشؤون الداخلية للجاليات الفرنسية في المشرق (التجارة، العدل، الشرطة، الميراث) لم تكن متعلقة بالدولة العثمانية بل خضعت للسلطة الفرنسية ولقوانينها. ولم تتدخل العدالة العثمانية سوى في حال حصول نزاع بين مواطن عثماني ومواطن فرنسي، على أن يحظى هذا الأخير برفقة ترجمان من "الأمة" الفرنسية وفي بعض الأحيان يرافقه القنصل الفرنسي شخصياً. وبفضل الامتيازات، استطاع النظام الملكي الفرنسي إنشاء شبكة من المؤسسات التجارية في المرافئ التي عُرفت بــ"موانئ المشرق وبلاد البربر" Échelles du Levant et de Barbarie. بعض القنصليات التي كانت تقع في الأراضي الداخلية مثل حلب والقاهرة سُمّيت كذلك موانئ المشرق بصورة مفرطة. وكل "ميناء" منها كان عبارة عن "قنصلية" حيث كانت الجالية الفرنسية أي الأمة الفرنسية لهذا الميناء، تجتمع تحت سلطة قنصل يتمتع بالنفوذ على أفراد جاليته في ما يعود لشؤون الشرطة والعدالة. وخلال قرنين، تمّ تنظيم القنصليات من خلال قوانين، ومراسيم Ordonnances فاتخذت الشكل الذي عرفناه في نهاية عهد النظام الملكي الفرنسي. كانت التجارة في المشرق تخدم هدفين آخرين لفرنسا وهما الدبلوماسية، وحماية الأماكن المقدسة والمسيحيين المنتمين إلى المذهب اللاتيني.

 

شرح الصورة: مرسوم يتعلق بالقنصليات، والإقامة، والتجارة، وإبحار أتباع الملك الفرنسي في موانئ المشرق وبلاد البربر. لويس السادس عشر. 1781.