عندما أقلع الروائى جوستاف فلوبير إلى الشرق، كان قد زار مقاطعة النورماندى التي ولد بها، وباريس وفرساى وفونتين بلو والبرانس وكورسيكا وبروفانس وإيطاليا وسويسرا. كان قد انتهى للتو من الكتابة الأولى لقصيدة فلسفية نثرية طويلة "إغواء القديس أنطونيوس" وهى تأملات هزلية ويائسة عن الناسك المنعزل فى الصحراء المصرية، حيث يغويه الشيطان في صورة رؤى لشهوات أرضية؛ لم ينشرها إلا فى عام ١٨٧٤. المخطوطات ذات المراحل الثلاثة في كتابة إغواء القديس أنطونيوس (١٨٤٨ ،١٨٥٦ ،١٨٧٠-١٨٧٢) ومشروع حكاية شرقية، "أنوبيس" والتصور الأول لسلامبو يمكن الاطلاع عليها على موقع جاليكا Gallica، وكذلك النماذج الثلاثة التي نشرها فلوبير في مجلة لارتيست (٢١ و ٢٨ ديسمبر ١٨٥٦، ١ فبراير١٨٥٧).
في السنة التي بدأ فيها كتابة "التربية العاطفية" عام ١٨٤٣، قابل جوستاف فلوبير الكاتب والمصور الفوتوغرافي ماكسيم دو كامب والذي قام معه بجولة في بريتانى عام ١٨٤٧. بدأ فلوبير رحلته الشرقية في ٢٩ أكتوبر ١٨٤٩. زار مصر وفلسطين ورودس وأسيا الصغرى وعاد إلى فرنسا عام ١٨٥١ عبر اليونان وإيطاليا. لم ينشر فلوبير حكاية هذه الرحلة التي كانت غربته فيها تعطى ملمحاً خاصاً لحملاته ضد كليشيهات الحماقة البرجوازية التي كانت شديدة لاسيما في رسائله إلى أمه وإلى صديقه لوى بوييه: رسائله يمكن قراءتها بالتوازي مع سرده والذي ظهر لأول مرة عند الناشر لوى كونار فى ١٩١٠. كان يلزم أن ننتظر حتى عام ٢٠٠٦ كي تظهر عند جاليمار في طبعة كلودين جوتو ميرش الطبعة الكاملة لهذه الرحلة إلى الشرق. يوميات هذه الرحلة المحفوظة في المكتبة التاريخية لمدينة باريس ويمكن الإطلاع عليها في موقع جاليكا ( دفاتر من رقم ٤ إلى رقم ٩ ) .
من أبريل حتى يونيو ١٨٥٨ سافر فلوبير إلى الجزائر وتونس من أجل روايته القرطاجية المقبلة "سالامبو"، "صحراء معزولة دفعه إليها القرف من الحياة الحديثة" رواية لاحظ فيها الناقد إيميل فاجيه تشاؤم مادي مقابل التشاؤم المجرد لإغواء القديس أنطونيوس. اختار أن يكون واقعياً في وجه اندفاعاته الرومانسية (عن فيكتور هوجو يقول فلوبير: إنه أكثر إنسان استطاع أن يجعل قلبه يدق منذ أن ولد)، شرع الكاتب في رواية تاريخية تحدث في القرن الثالث قبل الميلاد في قرطاج أثناء حرب المرتزقة. إنه يضيف على حياته العادية توابل الصلصة القرطاجية. وهكذا في الأيام الأولى من شهر مايو ١٩٦١ دعي الأخوان جول وإدمون دو جونكور على العشاء: "في الساعة السابعة، عشاء شرقي، سوف يقدم لكم لحم بشرى، ومخ برجوازى وبظر نمرة، مقلية في زبدة وحيد القرن؛ بعد القهوة استئناف الصياح البونيقي حتى ينهك المستمعون. هل يناسبكم هذا؟". بعد خمس سنوات من العمل (كما تشهد بذلك المخطوطات والمسودات والملاحظات المحفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية) في أبريل ١٨٦٢ ينتهى فلوبير من سلامبو والتي حين صدرت كان يباع منها ألف نسخة في اليوم، بالرغم من الانتقادات التي وجهت لها بشأن التوثيق الأثري. الناقد سانت بوف والعالِم جويوم فروينر الغيوران من نجاحه يجادلانه حول توثيقه الأثري كما لو أن قيمة الرواية تعتمد على دقتها التاريخية. استشار فلوبير، إلى جانب قراءاته في النصوص القديمة، صديقه العالم إرنست فيدو الذي كان أيضاً مستشاراً لتيوفيل جوتييه في "رواية المومياء": فرض عليه فيدو دقة اللون قبل دقة الأحداث، ويواجه فلوبير معارضيه منتشياً بالانتصار بشهادته التي صرح بها في عام ١٨٥٧ إلى فيدو: "لن أريك شيئاً من قرطاج قبل كتابة السطر الأخير، لأنه لدي من الشكوك ما يكفى، فلن أزيد عليها الشكوك التي تمدني بها. ملاحظاتك تجعلني أفقد الكرة. فيما يخص علم الآثار سيكون في باب الاحتمال. هذا كل شيء. على أمل ألا يستطيع أحد أن يثبت أنني قلت خرافات، هذا كل ما أطلبه. أما بالنسبة لعلم فهذا فلا يهمني على الإطلاق. لقد رأيت بأم عيني كل النباتات وكل الأشجار التي كنت أحتاج إليها. ثم أن هذا لا يهم كثيراً، فهو جانب ثانوي، يمكن أن يكون الكتاب مليئًا بالسخافات والأخطاء الفادحة ومع ذلك يكون جميلًا للغاية." أكدت الأجيال اللاحقة نجاح الرواية، الشخصية المبهرة لسلامبو، ابنة القاضي الحاكم القرطاجى أميلكار قائد المرتزقة الذين تمردوا لأنهم لم يتقاضوا أجرهم بعد مشاركتهم في الحرب البونيقية الأولى، والتي ماتت يوم زواجها بملك نوميديا بسبب رؤية خطيبها الليبي ماتو مقتولاً، والملعون لأنه لمس معطف الآلهة تانيت، ألهمت موسيقيين (إرنست راير ، موديست موسورجكى ، ومؤخراً فيليب فينلون)، وكثيراً من الرسامين والنحاتين (تيودور ريفيير ، ألفونس موشا ، جاستون بوسيير) دون الحديث عن الرسائل الأدبية والجامعية التي لا حصر لها.
مجمل ملف سلامبو متاح على موقع جاليكا (خمس مجلدات من المسودات (N.A.F. 23658-23662) ، المخطوط بخط المؤلف (N.A.F. 23656) ، مخطوط الناسخين (N.A.F. 23656), ، الملاحظات المأخوذة في شمال إفريقيا، ملاحظات القارئ.ويمكن الوصول إليه عبر رابط واحد.
أخر إسهام لفلوبير فى الاستشراق الأدبي كان في فلسطين تحت الحكم الروماني وهو قصة "هيرودياس"، قصة مأخوذة من مقطع في إنجيل مرقس ظهرت في مونتور يونيفرسال وأعيد إصدارها عام ١٨٧٧ في الحكايات الثلاث: إياوكنعان (القديس يوحنا المعمدان) سجين هيرودس أنتيباس حاكم الإقليم بناء على طلب زوجته هيرودياس التي تكرهه، لأنه يلوم الحاكم الذي تزوج من بنت أخيه. وفى وليمة عيد الميلاد وعد هيرودس ابنة زوجته الراقصة الشابة سالومى أن يقدم لها ما تتمناه: وسيكون بناءً على طلب أمها هيرودياس رأس إياوكنعان. ألهمت حكاية فلوبير أوبرا لجول ماسينيه هيرودياد فى عام ١٨٨١، وقد أثرت شخصيتا هيرودياس وسالومى أيضاً على الشاعر إستيفان مالارميه، والمصور جوستاف مورو والكاتب المسرحى الإنجليزى أوسكار وايلد. أناتول فرانس المعجب بفلوبير الذي أصدر "تاييس" ( قصة شرقية حولها ماسينيه أيضاً إلى أوبرا عام ١٨٩٤ كتب مقدمة عام ١٨٩٢ للطبعة الثانية من هيرودياس مع رسوم لجورج أنطوان روشجروس .
تم إهداء مخطوطة هيرودياس في ١١ مايو ١٩١٤ من ابنة أخ المؤلف مدام فرانكلين جرو للمكتبة الوطنية الفرنسية حيث حصلت على المرجع N.A.F. 23.663 مخطوطات الحكايات الثلاث متاحة على موقع جاليكا، المجلد الأول والمجلد الثاني.
الصورة : مذكرات مجنون بقلم جوستاف فلوبير نشرها بيير دوز Pierre Dauze ١٩٠١. ترجمة: أنور مغيث