مصير غير مرتقَب

ولد أنتونان جوسان في ٢٧مايو/أيار ١٨٧١وهو من عائلة متواضعة في منطقة أرديش Ardèche الفرنسية ثم عاش حياته في العالم الواسع الأرجاء بعيداً عن أصوله الريفية. التحق بالمدرسة الثانوية الرسولية للآباء الدومنيكان في مدينة بواتييه وعلى أثر طرد رجال الدين من فرنسا عام ١٨٨٠، تابع دراسته في مدينة ريكهولدت بإقليم ليمبورغ الهولندي. بعدها انتقل إلى القدس حيث كان الأب ماري-جوزيف لاغرانج Marie-Joseph Lagrange يستعد لفتح المدرسة الجديدة لدراسة الكتاب المقدس بالقدس والتي أُنشئت بطلب من الكرسي الرسولي ومن مؤسسة الآباء الدومنيكان، في محاولة لمواجهة المسائل الخطيرة التي طرحها تطوّر العلم في ما يتعلق بتاريخ الكتاب المقدس.

في القدس تواجد أنتونان جوسان جنباً إلى جنب مع رجال دين آخرين من الشريحة الشابة وكان البعض منهم مميّزين مثل لويس-هوغ فينسان Louis-Hugues Vincent ورافائيل سافينياك Raphaël Savignac وشكّل معهم ومع الأب لاغرانج النواة التي أسست مدرسة الكتاب المقدس في القدس. سرعان ما أظهر أنتونان جوسان موهبة حقيقية لتعلّم اللغات وحساً عملياً بالإضافة إلى تذوّقه للشرق مما جعل الأب لاغرانج يعهد إليه الاهتمام بــ"قوافل الكتاب المقدس" وهي الزيارات للمواقع الأثرية المتعلقة بالكتاب المقدس والتي تقترحها بشكل متواصل مدرسة الكتاب المقدس على طلابها.

الشغف بعالم البدو

اهتم أنتونان جوسان لحياة البدو ونشر حول الموضوع أول عمل في عام ١٩٠٧ تحت عنوان "عادات العرب في بلاد مؤاب". وقام فيما بعد مع زملائه بحملات استكشافيّة في كافة أرجاء المنطقة: في تدمر والبتراء، المدينتين النبطيّتين القديمتين وإلى أبعد منهما إذ انطلق في عام ١٩٠٧ لاستكشاف شمال شبه الجزيرة العربية، مما شكل عملية خطيرة لأن مسلمي الحجاز لم يكونوا يرغبون في أن يقترب "الكفار" من مكة. كان في حوزة أنتونان جوسان فرمانات صادرة عن الباب العالي فاستطاع بصحبة رفيقه رافائيل سافينياك، النقّاش والمصوّر الفوتوغرافي، تنظيم ثلاث بعثات استكشافية في مدائن صالح (في الأعوام ١٩٠٧ و١٩٠٩ و١٩١٠) وأصدرا بشأنها خمسة مجلدات، ما زالت تشكل لغاية اليوم مرجعاً، بعنوان "رحلة استكشافية أثرية إلى الجزيرة العربية" Mission archéologique en Arabie. وخلال إقامته في القدس، درّس أنتونان جوسان اللغات، ومن بين الذين تتلمذوا على يده هناك طلاب عرفوا فيما بعد مستقبلاً لامعاً مثل الطالب الذي أصبح لاحقاً الكاردينال "تيسران".

عميل استخبارات خلال الحرب العالمية الأولى

عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان أنتونان جوسان من بين رجال الدين الذين سعى الأتراك إلى نفيهم نحو آسيا الصغرى، لكن البابا بِنِديكت الخامس عشر استطاع الحصول على إذن ترحيلهم إلى أوروبا. ما إن غادر أنتونان جوسان الشواطئ الفلسطينية، انقلب مصيره: مفوّض السفينة البريطاني المسؤول عن مراقبتهم عرض عليه العمل كضابط مخابرات في خدمة الأميرالية البريطانية في بور سعيد وذلك نظراً للأعمال التي ألّفها حول موضوع قبائل البدو. وافق أنتونان جوسان بكل امتنان وشرع في مهمته الجديدة بعمل لامع: بفضل شبكة المُخبِرين الخاصة به، أبلغ البريطانيين بأن الأتراك يستعدون للهجوم على قناة السويس قدوماً من الصحراء، الأمر الذي كان الجميع يعتبرونه مستحيلاً. لكن ذلك حصل فعلاً بتاريخ ٥ فبراير/شباط ١٩١٥. كان قد تسنّى الوقت للحلفاء، بفضل التبليغ، كي ينظّموا الدفاع الذي أتاح نجاة قناة السويس وكانت السيطرة عليها تُعتبر استراتيجية في المنطقة. لعب أنتونان جوسان دور رجل ميدان ولم يلزم مكتبه، وعمل كضابط مخابرات في عدة سفن تابعة للأسطول الفرنسي الثالث في البحر الأبيض المتوسط.

لقاء توماس إدوارد لورنس

بفعل وظيفته في الاستخبارات، كان أنتونان جوسان شاهداً على التاريخ العظيم إذ كان حاضراً في ميناء الوجه الواقع على البحر الأحمر، لدى المحادثات التي جرت في فبراير/شباط ١٩١٧استعداداً لإبرام معاهدة سايكس بيكو السريّة. في هذا الإطار التقى أنتونان جوسان لورنس العرب Laurence d’Arabie وأسدى إليه بعض النصائح بشأن الأماكن المؤاتية لنسف خطوط سكك حديد الحجاز التي كان الأتراك يبنونها بدعم من ألمانيا. إنّ حبّه للصحراء وللبدو جعله مقرًباً من لورنس العرب. وقد احتفظ الأرشيف الفرنسي بعدد من المذكرات التي كتبها أنتونان جوسان. درس البروفسور هنري لورنس هذه المذكرات فاعتبرها "مرجعاً أساسياً للمعلومات حول العمليات العسكرية في فلسطين، وحول الوضع في شرق الأردن وبنوع خاص حول التطورات السياسية في فلسطين وبداية المواجهة السياسية بين الصهاينة والعرب". كما واعتبر هنري لورنس أنّ "نظرة أنتونان جوسان السياسية مميّزة وأنّ التقارير التي وضعها تفيد بمعلومات لا نجدها في أية مراجع أخرى حول تاريخ فلسطين والأردن خلال هذه الفترة المضطربة". وخلال جولاته، ثابر أنتونان جوسان في المقابل على جمع بعض المعلومات العلمية التي نشرها في "المجلة الكتابية" Revue biblique إذ بقي رغم ذلك رجل دين وعلم.

لدى عودته من الحرب العالمية الكبرى، واجه صعوبة في إيجاد دور له ضمن مدرسة الكتاب المقدس حيث حلّ مكانه جيل من الشبان وأصبح عالِم الأشوريات اللامع بولس-إدوارد دورم Paul-Edouard Dhorme مدير المدرسة في عام ١٩٢٢. وبناءً على طلب أكاديمية النقوش والآداب، أصبحت مدرسة الكتاب المقدس في عام ١٩٢٠ مدرسة فرنسية للآثار أيضاً نظراً لأهمية الأعمال البحثية والتي ساهم فيها أنتونان جوسان. التجأ هذا الأخير إلى مدينة نابلس، المدينة الفلسطينية التقليدية التي لم تكن قد دخلتها الصهيونية بعد، ولكن الأراضي فيها كانت قد بدأت تُباع للمستوطنين اليهود. نشر أنتونان جوسان دراسة في عام ١٩٢٧ تحت عنوان "نابلس ومقاطعتها" ولفتت هذه الدراسة اهتمام علماء الأنثروبولوجيا الذين أشادوا بالنظرة الصائبة والرؤية المميّزة لدى صاحب الدراسة.

في القاهرة، شاهِد على صعود القومية العربية

في العام نفسه أي في عام ١٩٢٧، توجّه أنتونان جوسان إلى القاهرة بطلب من الأب لاغرانج وذلك لإنشاء فرع لمدرسة الكتاب المقدس من أجل تدريب الطلاب في علم الآثار وعلم المصريّات. شكّل هذا المشروع مصدر قلق لبعض الأشخاص ورأوا فيه منافسة للمعهد الفرنسي للآثار الشرقية Institut Français d’Archéologie Orientale  الذي تأسس عام ١٨٩٠. أما أنتونان جوسان صاحب الشخصية القوية فكان عليه النضال كي يثبت وجوده وكي يحصل على الأموال من أجل المؤسسة التي أصبحت انطلاقاً من نهاية أربعينيات القرن العشرين تُعرف بــ"معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة" (IDEO) Institut dominicain d’études orientales du Caire ويمكن اعتبار أنتونان جوسان المؤسس الأول لهذا المعهد. في الواقع، شعر مسبقاً بصعود القومية العربية وبأهمية التواجد في مصر من أجل دراسة هذه البلاد ومعاشرة النخبة فيها. أمضى جوسان آخر ٢٥سنة من حياته في الإسكندرية ولم يعد إلى فرنسا سوى عند دنو ساعته حيث توفي بتاريخ ٢٩أبريل/نيسان ١٩٦٢. لقد كان شاهداً وفي بعض الأحيان فاعلاً حقيقياً في إطار عملية صنع التاريخ التي دامت ما يناهز القرن وعاش في صميمها.

 

شرح الصورة: عدد من رجال الدين يجلسون تحت شجرة قرب نبع ماء، في ضواحي القدس. أنتونان جوسان.