آرثر-علي روني (١٨٣٦ـ١٩١٠)

الحصول على الوثائق

جسّد آرثر-علي روني بروعةٍ الهاوي ذا الفضول الكبير، وعندما لم يجد لنفسه مكانًا في المؤسّسة الأكاديميّة، كرّس نفسه جسدًا وروحًا لمختلف القضايا التراثيّة. خصّ بأعماله وبشكل حاسم الأبنية التاريخيّة في القاهرة.

كان الرجل، بصفته يعيش من ريع ممتلكاته، يتمتّع بكل الحرية ليكرّس نفسه لشغفه. ويشير اسماه المزدوجان، المسيحي والإسلامي، إلى الصداقات السانسيمونيّة التي كانت سائدة في محيطه العائلي. ومن خلال أحد رفاق التيار السانسيموني، إدوار شارطون، مؤسّس المجلّة المصوّرة (Le Magasin Pittoresque) وجولة حول العالم (Le Tour du Monde)، تعرّف عام 1864 إلى تيودول ديفيريا، أمين الآثار المصرية في متحف اللوفر، استعدادًا لرحلة إلى مصر مع بعض الرفاق، بينهم الشاب هنري بيريير، راعي الرحلة.وقد جاب الفريق البلاد من ديسمبر 1864 إلى مارس 1865. أمّا الرواية التي نشرها عن تلك الرحلة عام 1877 فهي حيّة، مليئة بالمعرفة، ومزوّدة برسوم دقيقة، رغم أن الصور الكالوتيبية التي التقطها ديفيريا لم تُضمَّن فيها خلافًا للمخطط الأول. وقد نال العمل جائزة من الأكاديمية الفرنسية عام 1878. وكان الهدف منه، كما كتب رونيه عام 1886، هو «تخليد مظهر القاهرة قبل أن يلتهمها التخريب الحديث».

خلال زيارتين لاحقتين، إحداهما عام ١٨٧٩ على أساس خاص، والأخرى عامي ١٨٨١-١٨٨٢ بدعم كامل من وزارة التعليم العام للعمل على تضاريس القاهرة الأثرية ضمن البعثة الأثرية الفرنسية الناشئة، اكتشف رونيه مدى سرعة وجذرية تحول المدينة في غضون سنوات قليلة. وقد أذهلته إعادة بناء المساجد على "الطراز القوطي الإيطالي". بل ازداد حزنه على أعمال الترميم المشوهة التي لحقت بالمقدسات الإسلامية العظيمة. لم تكن ويلات الزمن أو "التأثير الهوسماني" هي السبب الوحيد؛ بل إن التدخلات التي طرأت على الآثار شوهتها. حشد رونيه كبار الخبراء في القاهرة التاريخية لمحاولة رفع الوعي الدولي بضرورة ترميمها على يد خبراء متخصصين تحت رعاية لجنة للآثار التاريخية، "تعمل كلجنة باريسية، أي تتمتع بصلاحيات كافية". نشر غابرييل شارمس نداءً مطولاً على نفس المنوال في مجلة "جورنال دي ديبات". في إنجلترا، نجحت عالمة المصريات أميليا إدواردز في حشد جمعية حماية المباني القديمة، التي أسسها ويليام موريس من حركة الفنون والحرف، والتي دعت إلى الحد الأدنى من الأعمال على المباني التاريخية. في 18 ديسمبر 1881، صدر مرسوم خديوي بإنشاء لجنة لحفظ آثار الفن العربي، كُلّفت بفهرسة الآثار "العربية" - على عكس "المصرية" التي تعني القديمة - "ذات الأهمية الفنية أو التاريخية"، وضمان صيانتها والإشراف على ترميمها. وقد رُممت مئات الآثار، من أصل 600 أثر مُدرَج، في العقود التالية.

بعد عودته إلى فرنسا في يونيو 1882، واصل رونيه تكريس نفسه لدراسة القاهرة التاريخية. فقام بجمع دفاتر ضخمة تضم رسوماً ونقوشاً وصوراً فوتوغرافية مرفقة بتعليقات مطوّلة، كما استعان بذاكرة مقرّبيه. وصنّف المعماري أمبواز بودري من أجله مئتي منظَر التقطها فاكّينيللي – والمحفوظة اليوم في أرشيف أليناري في فلورنسا – لمساعدته في إعداد عمله الكبير "مصر في أيّام قليلة: القاهرة كما كانت"، وهو طبعة منقّحة وموسّعة بالكامل من كتابه الأول الذي يحمل العنوان نفسه، وصدر بعد وفاته عام 1910، مزوّداً بـ 250 لوحة موثّقة بعناية. وقد بدأ هذا العمل في الأصل كحكاية رحلة، ثم تحوّل إلى جهد استذكاري؛ وهو وصف يجمع بين الدقّة العلمية والرهافة الحسّية للعاصمة المصرية، ويمثّل نموذجاً مبكراً لما يمكن اعتباره "بروتو-تاريخاً" لفنّ العمارة، يستند إلى المادة الملموسة والوثيقة البصرية، على نحو يشبه ما وضعه "الآثاريين" من معالم أولى لهذا النهج منذ منتصف القرن التاسع عشر.

كان آرثر رونيه مراسلاً لجمعية الآثار الفرنسية منذ عام 1876، وعمل أيضًا في دراسة باريس القديمة والدفاع عنها بصفته أمين صندوق مخلصًا لجمعية أصدقاء الآثار الباريسية، التي انضم إليها منذ إنشائها في عام 1887، مع بقائه منتبهًا للتخريب الإقليمي.

شرح الصّورة: مدرسة وسبيل قبر الغوري، بريشة ب. شاردان. من: مصر في أيّام قصيرة، القاهرة في ما مضى بقلم أ.ع. روني. 1910