كان ألكسندر دوما، الروائي كثير الترحال، مفتونًا بالأراضي البعيدة التي أسرت شغفه بالسفر. وقد انبثقت من هذا الشغف العديد من رحلاته التي تدور أحداثها في الشرق الأدنى والأوسط. ففي عام 1839، كتب دوما "خمسة عشر يومًا في سيناء"؛ وفي الفترة ما بين 1856 و1857، "حج الحاج عبد الحميد: المدينة المنورة ومكة المكرمة"؛ وفي عام 1860، "الجزيرة العربية السعيدة: ذكريات رحلات في أفريقيا وآسيا". إلا أن هذه الذكريات كانت في الأصل ذكريات غيره. فقد منح دوما قلمه واسمه، مُشبعًا شغفه بشرقٍ كان يحلم به، شرقٍ جابهه أكثر مما زاره فعليًا.
اكتشف دوما شمال أفريقيا في نهاية عام 1846، بعد حضوره حفل زفاف دوق مونتبنسييه في مدريد. وقد أثرت هذه الرحلة فيه بعمق. ففي البداية، كانت الأندلس، التي تفوح منها "رائحة الجزيرة العربية". وقد أسرت المنطقة دوما لأنها لم تعد جزءًا من إسبانيا؛ ويضيف في روايته "المُتَسَلّ": "حتى اليوم، يتوقف المسافر مندهشًا ومترددًا، لأنه يشعر بأنه يدخل عالم الشرق الغامض والمجهول". عبر دوما عتبة الغرب بحرًا على متن سفينة "فيلوتشي" . وصل إلى الشواطئ الجزائرية وأرسى سفينته قرب طنجة. أبحر على طول الساحل، متوقفًا، مشاركًا في رحلات صيد، وحاضرًا حفل زفاف يهودي، وزار الجزائر العاصمة على متن عربة تجرها الخيول. جمع دوما أشياءً غير عادية، منغمسًا في العادات المحلية بوتيرة سريعة. بعد الجزائر، توجه إلى تونس. في قرطاج، يتأمل دوما "ضريح القديس لويس" ويصف ظاهرة التثاقف: "وسط أطلال قرطاج الرومانية، يقف نصب تذكاري يشبه مرابطًا عربيًا؛ إنه ضريح القديس لويس. لا شك أن هذا الشكل كان مقصودًا. فالعرب، إذ لم يروا فرقًا بين ضريح قديس فرنسي وآخر مسلم، كان عليهم احترام كليهما على حد سواء." من القنصلية الفرنسية إلى الاحتفالات المحلية، ومن حفلة راقصة إلى رحلة صيد طيور الحجل، يُكثّف دوما أنشطته ولقاءاته. بعد شهر من جولات سياحية مكثفة، يعود إلى تولون في الرابع من يناير. ومن هذه الرحلة، يعود بكتابه السريع أو طنجة والجزائر وتونس، الذي نُشر عام 1848. تكمن أهمية هذا الكتاب، إلى جانب أسلوبه الأدبي البليغ، في تحليله الأنثروبولوجي لمجموعات الأفراد الذين يلتقيهم دوما. لكن الرحالة يرسم أيضاً صورة للعلاقة المعقدة بين الجزائر وفرنسا. فبالنسبة لدوما، لا يمثل الشرق مجرد فضاء للتأمل الشعري، بل هو أيضاً مكان للتفكير السياسي في مستقبل الحضارات وفي التقاء الثقافات.
إن الشرق هو بمثابة مرآة مبسوطة أمامه كفنان، كما توحي بذلك هذه السطور الواردة في آخر "فيلوس"، والمشوبة بمسحة من الكآبة: "إن فرنسا هي من يعاصروننا، أي الحسد. أما البلاد الأجنبية، فهي الأجيال القادمة، أي العدالة. فلماذا إذن تتخذ الأمور هذا الشكل إذا كان الحال سيكون جميلا للغاية لو كانت غير ذلك؟".
يُسقط ألكسندر دوما على الشرق مثالا أعلى في السياسة والحياة الشخصية كان حاضرا لديه منذ مؤلفات فترة الشباب. ففي أعماله التخييلية، نجد ألكسندر دوما يولي بالفعل أهمية كبرى للشرق الذي ينظر إليه بوصفه أرض الحرية ومهد الحضارة. إإن التناقض بين فرنسا والشرق يتخلل مسرحياته ورواياته قبل انطباعاته عن السفر، سواء كانت حقيقية أو متخيلة. في "شارل السابع لدى إقطاعييه الكبار"، تُقدّم هذه المسرحية، التي عُرضت في مسرح الأوديون في أكتوبر 1831، شخصيةً فريدةً من نوعها: يعقوب، الشاب العربي الذي جلبه أحد النبلاء إلى فرنسا. يمنحه دوما الدور الرئيسي، فهو يجسّد كل ما يرتبط بالعنف والحرية في الشرق. يعقوب رمزٌ للعواطف الصادقة. وفي النهاية، يُنقذه دوما: يهرب يعقوب الذي لا يُقهر ويعود إلى الصحراء.
تتبدى صورة الشرق لدى ألكسندر دوما بشكل لامع عبر صفحات "الكونت دو مونت كريستو". هذه الرواية تعج بما تختزنه الذاكرة من ألف ليلة وليلة : تستحضر العديد من استعارات الرواية وأسماء شخصياتها الصور الشرقية المألوفة في الحكايات الخرافية. يتلقى إدموند دانتيس نفسه تعليمه على يد الأب فاريا، الذي يصقله ليصبح عالماً "شرقياً". يتلاعب دانتيس بسخرية بالصور النمطية المفروضة على العادات البعيدة. فهو يقدم نفسه أولاً كمستشرق، ثم عند عودته إلى باريس، كمستشرق - أي عالم يتماشى مع أذواق عصره. وهكذا، يتيح الشرق لدوما إضفاء الشرعية على هوية بطله، وتبرير معرفته وثروته الطائلة. فمن بين الأساطير الشرقية ثروة استثنائية ومعرفة خفية. ينبغي النظر إلى رحلة إدموند دانتيس الشرقية بالتوازي مع التاريخ الحديث ومع ملحمة دوما الشخصية. فمنذ الحملات المصرية، ارتبط الشرق باكتشاف كنوز لا تُصدق. وهذا هو المحرك الأساسي للرواية. إن ذكرى الغزوات الإمبراطورية هي أيضاً العيب الأصلي للإسكندر، ابن الجنرال دوماس، القائد العام لسلاح الفرسان في الشرق، وبطل الحملة المصرية.
_btv1b84272756_6_1.jpg)