"ألفنس دو لامرتين" هو كاتب وسياسي فرنسي وعضو في أكاديمية اللغة الفرنسية ومؤلف قصائد مستوحاة من الجانب الحميمي والديني "التأملات" و "المتناغمات". قام في عامي 1832 و1833 برحلة مدتها ثمانية عشر شهراً إلى الشرق، نُشرت تفاصيلها في عام 1835.
تبدو الذكريات والانطباعات والافكار والمناظر الطبيعية، التي تدور حول رحلة إلى الشرق، بمثابة جوهر النوع الذي اعقب الرومانسية بعد رحلة إلى مصر وسوريا (1787) وآثار (1791) للفيلسوف والمستشرق فولني.
تقع هذه المجلدات الأربعة بين رحلة من باريس إلى القدس لشاتوبريان (1811) ورحلة إلى الشرق لنرفال (1851). وهي تتميّز عن سابقتها، إذ يُبدي لامارتين موقفًا وديًّا تجاه الإسلام، في حين يُقدّم شاتوبريان نفسه بصفته ناطقًا باسم الصليب في مواجهة الهلال، كما أنها لا تُبشّر بفرادة العمل اللاحق. وقد استمرّ نجاحها بشكلٍ متواصل حتى مطلع القرن العشرين، كما تدلّ على ذلك إعادةُ نشرها مراتٍ عديدة..
وتحتفظ المكتبة الوطنية الفرنسية بستة ألبومات رقمها "لامرتين" نفسه، وهي ألبومات شبيهة بدفاتر للرسم تحمل علامة المزود الرسمي للامرتين، "جيرو"، (إرث من "فالانتين دو سيسيات دو لامارتين" سنة 1897، رحلة إلى الشرق، ملاحظات، 10 جويلية 1832 ـ 13 سبتمبر 1832). وأضيف إليها ألبوم سابع وضع على حدى بسبب تفاوت في أجزائه، ويقتصر هذا الألبوم الذي عنونه لامارتين "أثينا والبارثينون" على ثماني أوراق ضمت إليه في البداية مجموعة مكونة من قصاصات مختلفة. ويمثل هذان الألبومين أساس مجلدين أولين صدرا سنة 1835 ويشملان سردا لأحداث الفترة المتراوحة بين مغادرته "مرسيليا" على متن الباخرة إلى انطلاقه من بيروت نحو بعلبك. وتحتفظ المكتبة الوطنية الفرنسية أيضا بمخطوط فتح الله صايغ الذي تم تدوينه في الجزء الرابع من "رحلة إلى الشرق". وسجل التبرع بتاريخ 24 يونيو 1837. و نجد الإشارة التالية في خانة "عناوين الكتب" : بعث السيد وزير التعليم مخطوطا عربيا اقتناه في سوريا السيد "دو لا مرتين" و ترجمة في كتابه "رحلة إلى الشرق" و أهداه إلى "المكتبة". و يحمل المخطوط هذا العنوان باللغة الفرنسية : "مخطوط عربي حول رحلة السيد "لاسكاريس" إلى "صيغرـ دروغمان" = 1833= إلى السيد "لامرتين" و "مشاهد لقبائل عربية بسوريا"، وهي تكملة للمخطوط.
و لا تخضع جولة "لامرتين" للقوالب الجاهزة التي تتردد في عدد كبير من الرحلات إلى الشرق كالهروب و الانفلات [من الواقع] و البحث عن النكهة المحلية، لأنها ترمي في البداية إلى إيجاد الإلهام لكتابة قصيدتين ملحميتين رائعتين : "جوسلين" و سقوط ملاك". وكانت الشكوك الميتافيزيقية تطارد "لامرتين" عند بداية رحلته، وهو الحالم باكتشاف الشرق منذ أن أعجب بالنقوش التي تصف الشرق في انجيل "رويومونت" عندما كانت أمه تقرأه عليه. وكان مشهد التنافس بين العقائد في الأماكن المقدسة قد زاد من تفاقم الأزمة التي جرت الشاعر إلى نوع من الربوبية التي تتجلى في العديد من المقاطع خلال سرده لرحلته. وهو ما جعل المكتب المقدس يستريبه سنة 1836. وتبرز هذه الربوبية أيضا في تأمله الذي عبر عنه شعريا ومن خلال أبيات فلسفية في "الصحراء أو لا مادية الرب" الذي نشر في المحادثة الحادية عشرة من "المحاضرة المعتادة في الأدب" في نوفمبر 1856.
في رحلته إلى الشرق، ذكر لامارتين قصيدة "تحرير القدس" لتوركواتو تاسو. وقد عشق الرومانسيون قصائد بطولية واسعة النطاق أعادت تفسير النماذج المأساوية للعصور القديمة: "تحرير القدس". (1851) ل "تاس" التي تأثر بها "ديلاكروا" أو "الفردوس المفقود" (1667) ل"جون ميلتون" (التي ترجمها "شاتوبريان" إبان نفيه في إنجلترا)، و هي قصيدة تحكي ملحمة الملاك المنبوذ "لوسيفر" الذي أعاده "لامرتين" إلى الأذهان في "التأملات" و "سقوط ملاك" و "جوسلين". وفي هذا السياق يندرج "وصف القدس" الذي أتى بالترجمة الجديدة ل "تحرير القدس" ل "فيليبون دو لا مادلان" سنة 1841. ورغم الرقابة المسلطة عليه من الفاتكان، ظل "لامرتين" واصف عاصمة الديانات التوحيدية الثلاثة بلا منازع.
ولم يكن الجانب الميتافيزيقي الدافع الوحيد لسفره إلى الشرق. فبعد إخفاق أول في الحصول على منصب نيابي، كان يتساءل حول مدى توافق الشعر مع العمل السياسي. وعلم بانتخابه كنائب ل "بارج" سنة 1833 وكان وقتها في سوريا يتحسر على موت ابنته الوحيدة "جوليا" ببيروت. وانتقل إلى اليسار سنة 1837 لأنه كان من مناصري الملكية. وعند عودته إلى باريس، ألقى "لامرتين" خطابا في البرلمان في الرابع من جانفي 1834، وكان باكورة سلسلة طويلة من الخطابات حول "المسألة الشرقية" (جمعت كل الخطابات السياسية للامرتين في ستة مجلدات في كتاب "فرنسا البرلمانية، 1864ــ1865").
وكان في بادئ الأمر مؤيدا لتفكيك الإمبراطورية العثمانية، وهو موقف عوتب عليه فيما بعد لدرجة أنه أصبح واحدا من أشرس المدافعين عن وحدتها. وبعد إخفاقه في الانتخابات الرئاسية لسنة 1848 وإفلاسه وانقطاع السبل أمامه في فرنسا، طلب "لامرتين" من الصدر الأعظم مصطفى رشيد باشا أن يتوسط له لدى السلطان عبد المجيد ليمنحه ضيعة فلاحية شاسعة في آسيا الوسطى، ب "برجاز أوفا" بصور، في ضواحي أفسس. وقد تخلى عن تلك الضيعة لأنه لم يجد مساهمين، فاستعادتها الحكومة العثمانية في الحادي عشر من سبتمبر سنة 1852 مقابل جراية سنوية تقدر ب 20000 فرنك، لأنها كانت تخشى من أن يترصد هذا الجزء من الإمبراطورية رؤوس أموال أجنبية.
وتروي "الرحلة الجديدة إلى الشرق" (1852) بداية هذه المغامرة التي نسج أجزاء كاملة منها كاتبه "شارل أليكسندر" وصديقه وجاره "شامبوران دو بيريسا" الذي رافقه كخبير زراعي. وعند عودته لفرنسا، شرع لامرتين في كتابة "تاريخ تركيا" (1854ــ1855)، وهو كتاب ضخم يشمل ثمانية مجلدات ويعتمد على نحو واسع على التصنيف. وفي "تذييل للمقدمة"، يشير "لامرتين" على امتداد ستة أوراق إلى مصادره أو "سندات دينه"، ومن أهمها "جوزيف فون هامرـ بورقستال" وإغناطيوس مورادجيا دو أهسن". في كتاب "تنازل الشاعر"، يروي موريس باريس حكاية طريفة: "أتذكر أنني سمعت رينان يقول إنه أتيحت له فرصة الاطلاع، في المكتبة الوطنية، على عملٍ كان لامارتين قد نسخ منه، لكتابه "تاريخ تركيا"، على ما أعتقد". وبما أن النسخة الموجودة بالمكتبة الوطنية غير كاملة، فإن الناسخ لم يولها اهتماما كبيرا وهذه الفجوة موجودة أيضًا في أعمال لامارتين. وهو الأمر الذي أسخط السيد "رنان" سخطا جعلني أفهم فقدان الشاعر المسكين لمصداقيته في نظر معاصريه. واضطر لامارتين، في أواخر حياته، إلى العمل في وظائف مؤقتة، ومع ذلك شعر بتعلق دائم بالشرق، كما يتضح، قبل وفاته بأربع سنوات، من خلال الدراسات الثلاث التي خصصها لمحمد وتيمورلنك والسلطان زيزم، والتي جُمعت تحت عنوان "عظماء الشرق" (1865). و قال "لامرتين "في التأملات الشعرية الجديدة" : "ولدت شرقيا و سأموت كذلك".
و كتب أيضا الطبيب "دولارويار"، و هو أحد رفقاء "لامرتين"، سردا للرحلة يسد بعض الثغرات التي تركتها رواية "لامرتين" و خاصة موت "جوليا" : "رحلة للشرق"، باريس، "ديبيكورت"، 1836.

عنوان الصورة : ألفونس دو لامرتين ولد بماكون في الحادي و العشرين من أكتوبر لسنة 1791 ـ عضو في الحكومة المؤقتة و في اللجنة التنفيذية.