في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1875 يطرح أرنست رينان في أكاديمية الكتابة و الآداب (حيث تم انتخابه العام السابق ليخلف اوغوستان تييري ) دراسة عن جذور التاريخ الفينيقي وطابعه الحقيقي بتوقيع سانكونياتون.
Mémoire sur l'origine et le caractère véritable de l'histoire phénicienne qui porte le nom de Sanchoniathon.
وفي ملاحظة على هامش هذا العمل العظيم يعرب رينان عن امله في ان يثمر التنقيب في أمكنة العبادة الفينيقية عن اكتشافات موثقة بالنقوش لنشأة بلاد كنعان القديمة والتي يتناولها سانكونياتون في كتابه.

بعد ثلاثة أعوام وبفضل تدخل اورتانس كورني (صديقة الطفولة للإمبراطور وعرّ ابة المشاريع العلمية في الإمبراطورية الثانية) يقوم نابوليون الثالث بتكليف العالم الشاب رينان ببعثة أثرية للبحث عن آثار فينيقيا القديمة.

في 21 تشرين الأول (أكتوبر) 1860 يصل ارنست رينان الى بيروت برفقة شقيقته هنرييت بصفتها سكرتيرته. خلال الأشهر الستة الأولى ينظم رينان أربعة حملات تنقيب تمركزت حول المحاور الأساسية للحضارة الفينيقية وهي: جبيل، وطرطوس، وجزيرة ارواد، وصيدا وصور. وتألف الفريق من شارل غاياردو وهو دكتور فرنسي كان قد اتخذ من سوريا محل إقامة له لفترة طويلة، كانت مهمته الإشراف على ادارة التنقيبات ورسم الخرائط. كذلك الصحافي ادوار لوكروي الذي يقوم بالتصوير، إضافة الى م. توبوا المهندس والمفتش في المكتبة الإمبراطورية والذي اوكل اليه رسم المخططات. وقد شكل تواجد القوات الفرنسية التي أرسلها نابوليون الثالث لحماية مسيحيي الشرق بعد مجازر 1860 دعمًا قيمًا لبعثة رينان من الناحيتين اللوجستية و العملاتية.

وفي نيسان (ابريل) يقوم رينان و هنرييت برحلة الى فلسطين لزيارة جبل الكرمل، حيفا، نابلس، القدس، الخليل، يافا، الناصرة وطبريا. ويقومون أيضًا بزيارة جبل لبنان صعودً ا عبر وادي أدونيس وصولًا الى بعلبك مدينة الشمس.

مثلت هذه الرحلة في مهد التاريخ المسيحي مصدر الهام كبير لكتاب حياة المسيح Vie de Jésus الذي باشر رينان بخ طّه فور عودته الى غزير، القرية النائية بين بيروت وجبيل حيث توقف لما يزيد عن الشهر. و قد راسل صديقه مارسيلان بيرتيلو قائلًا : "لقد نجحت في إعطاء كل ذلك بعدًا عضويًا يفتقر اليه الإنجيل تمامًا. و أعتقد انه فجأة اصبح لدينا امام ناظرينا مخلوقات حيًة و ليس أشباحً ا شاح بًة من دون حياة لتمثل المسيح و العذراء و بطرس، الخ.، و قد انتق ل ت الى حالة التجرد و المثالية المطلقة. لقد حاول ت كما هي حال الألواح الصوتية، ان أقوم بنقر القوس على الوتر لترتيب حبات الرمل في موجات طبيعية". إلّا ان رحيل القوات الفرنسية في صيف 1861 اجبر رينان على وضع حدٍّّ للتنقيبات وبدء التحضير لترحيل القطع الأثرية. وفي تموز (يوليو) أصيبت أخته هنرييت بالحمى التي لازمتها الى حين وافتها المنية في 24 أيلول (سبتمبر). اما رينان الذي اصيب بالداء نفسه فقد تم ترحيله على عجل في 10 تشرين الأول (أكتوبر).

ما أنجزته التنقيبات كان دون مستوى التوقعات خاصة لناحية تأثير العوامل التي أدت الى تقصير فترة بقاء البعثة، فكانت الحصيلة على الشكل التالي: القليل جدًا من النقوش الفينيقية، بعض النقوش اليونانية والمصرية، نواويس وبعض المسلّات. اللافت ان هذه المكتشفات كادت تكون بالكامل غير صالحة لحل رموزها وقراءتها. اما كبريات الإكتشافات فكانت الصروح المقدسة ومدافن عمريت قرب طرطوس.

وقد أصدرت المطبعة الإمبراطورية تباعا ما بين 1864 و 1874 جزئين ضخمين ضمّا نتائج عمل البعثة. الجزء الأول من 884 صفحة اما الجزء الثاني وهو الأكبر ويتألف من 70 مخططًا. بالرغم من نزعته التفضيلية للحقبة الهيلينستية التي دفعت رينان غالبا الى التقليل من مكانة الفن الفينيقي ("فن التقليد"، "تجاري بالدرجة الأولى"، "لم يرتق البتة حتى بأكبر صروحه العامة الى الطراز الأنيق الذي يقف بوجه الزمن") فإن كتابه هذا اسّس ركيزة لما تلاه من اكتشافات متلاحقة و مثّل لنصف قرن و ني ف "الدراسة الأساس لعلوم الآثار الفينيقية" (رينيه ديسو)

 

نشر المعرفة التاريخ العام ودراسة مقاربة للّغات السامية. الجزء الأول، التاريخ العام للّغات السامية، ا. رينان. 1863.