وفي القرنين السادس والسابع عشر، كان الحجاج والتجار والمسافرون يعودون من المشرق ومن مصر، أرض الفراعنة المذكورة في الكتاب المقدس[1]، حاملين معهم روايات سحرية إلى حد ما وتحفا ومومياوات وأشياء عليها كتابة هيروغليفية. وكانت مصر تمثل للفرنسيين أيضا إحدى "موانئ المشرق" بسبب وجود جالية صغيرة منذ القرن السادس عشر. ومكنت العلاقات مع أعضاء "موانئ" مصر والقباطين والمسافرين الفضوليين الذين يتلوهم مستكشفون بعثتهم السلطات الملكية من تكوين العديد من المجموعات. ولكن مصر ظلت حتى القرن الثامن عشر بلاد حجر الغرائب (مثلا مجموعة "فوكو" ومجموعة "كايليس").

شكلت الحملة الفرنسية على مصر نقطة انطلاق في نشأة علم الآثار المصرية إذ وضعت أسس اختصاص لم يكن موجودا بعد[2],من خلال صياغة الخرائط وتحديد مواقع المعالم الأثرية وجمع المعلومات [3] حول هذا الاختصاص والعواقب السياسية لذلك. ويمكن ربطه بطريقة غير مباشرة بالتأثير الفرنسي في نشأة المعاهد المخصصة لعلوم الآثار المصرية بناء على دعوة محمد علي.

وتحتوي مجموعة الآثار المصرية الموجودة بالمكتب الوطنية الفرنسية على برديات وأشياء متأتية من الحملة الفرنسية أو رصدت خلالها ك"كتاب الموتى" ل"أواهيبري" و بردية "كاديت" و "دائرة بروج دندره"[4], وتحتوي أيضا على الآثار التي عاد بها "كاليود" من رحلته الاستكشافية التي تندرج في سياق الرحلات التي قام بها العلماء في عهد "نابليون". 

وتجذر علم الآثار المصري في فرنسا من خلال إثراء المجموعات الوطنية وإنشاء قسم خاص بمصر في متحف "اللوفر". وترأس "شامبليون" هذا القسم سنة 1827 واقترح تهيئته عبر تصميم ثوري للمتاحف من خلال مقاربته العلمية والطوبوغرافية. وعمل أيضا على الحصول على مسلة الأقصر كهبة. وكتب "شامبليون" و "روسيليني" و "نسطور الهوت" مذكرة على إثر الرحلة الفرنكوـ توسكانية، ليلفت النظر إلى عمليات الهدم وليقترح سن قانون يتعلق بالحفريات، وهو مطلب تقدم به أيضا رفاعة رفعة الطهطاوي. 

وعين "إميل بريس دافين" سنة 1829 مهندسا مدنيا لدى محمد علي. فتولى القيام بدراسات وجمع أشياء ونماذج قديمة من الفن العربي من بينها البرديات المحتفظ بها اليوم في المكتبة الوطنية الفرنسية.

.وقام "أوغيست مارييت" سنة 1850 بالإعداد لبعثة أثرية إلى "سقارة" فنفض التراب عن "السرابيوم"، وذلك بعد إخفاقه في مهمة جمع المخطوطات القبطية والسريانية. فعينه سعيد باشا سنة 1858 مديرا أولا لقسم الآثار المصرية. وفتح "مارييت" ثلاثين ورشة للحفريات من بينها "أبيدوس" و "تانيس" و "مدينة هابو". وأعد سنة 1863 متحفا مفتوحا للعموم في "بولاق". وقررت فرنسا سنة 1880 أن تضمن نفوذها في مجال الآثار إثر قلقها من تدهور صحة "مارييت" ومن إمكانية ألا يكون فرنسي على رأس قسم الآثار. وقامت بذلك في سياق المنافسة مع الإنجليزيين، خاصة مع "و. فل. بيتري" (1853 ـ 1942)[5]، والألمانيين "ك. ر. لبسيوس" (1810 ـ 1884) و "ه. بروكش" (1827 ـ 1894). فكلف "جول فيري" "جاستون ماسبيرو" بالتفكير في تكوين مدرسة علمية شرقية مقرها القاهرة، والتي ستصبح فيما بعد المعهد الفرنسي للآثار الشرقية. واضطلع "ماسبيرو" بالمسؤولية بعد "مارييت" وفتح الحفريات أمام التنسيق الدولي. وعزز حماية الآثار وقام بتحسيس البعثات الحفرية بالمسؤولية من خلال قانون جديد سنه سنة 1912. وحاول توعية أوروبا بالخطر الذي يمثله سد أسوان، الذي تم بناؤه سنة 1898، على معبد "فيلاي" وعلى معالم المنطقة. وتابع الحفريات الأثرية خاصة في الدير البحري وإدفو وأبيدوس. ومكنته الحفريات في الأهرام الملكية في "سقارة" من اكتشاف متون الأهرام ونشرها سنة 1894.

وفي غضون تلك الفترة، قام "جاك دو مرغان" الذي أصبح مديرا لقسم الآثار بتحديث المعرفة بعصور ما قبل التاريخ المصري، مما جعله يتخطى اكتشافات "بيتري" في هذا المجال.

وبموازاة الآثار الفرعونية، شجع "ماسبيرو" على اكتشاف المواقع الشاهدة 3على الفترة البيزنطية والأطلال التي خلفها المسيحيون المصريون الأوائل والأقباط. فكان ذلك ب"أنتينوبوليس" من خلال أعمال "ألبيرت قاييت" (1898 ـ 1908) و بباويط و في الديارات أيضا التي قام "بيير لافاريير" بجرد اللوحات الجدارية فيها فيما بعد، انطلاقا من سنة 1969. 

وفي سنة 1904، حصدت الجمعية الفرنسية للحفريات الأثرية التي أنشأها مدير ديوان المعادن "أ. بابلون" تمويلات خاصة ودعمت الحفريات في مصر. ومولت أشغال "أ. قاييت" و "أ. ريناخ" و "ر. فايل" في مدينة قفط وأشغال المعهد الفرنسي للآثار الشرقية في منطقة الأقصر. وانظم مسجد اللوفر الذي يمثله "ج. بينيديت" إلى المعهد الفرنسي للآثار الشرقية للقيام بحفريات خاصة في مواقع بالمدامود (1925 ـ 1933) و طود (1933 ـ 1950).

وشهدت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين العديد من الاكتشافات: اكتشاف "مرغان" كنوز أميرات دهشور سنة 1895، وساحة مخبأ الكرنك من قبل ''جورج لوجران" (1903 ـ 1907) فأخرجت عشرات آلاف من القطع واكتشاف قبر توت عنخ آمون من قبل البريطاني "هوارد كارتر" سنة 1922، أو الكنوز الملكية لمدينة تانيس سنة 1939 من قبل "بيير مونتيه".

وفي سنة 1953، وبعد قرابة قرن من الإدارة الفرنسية، أصبح هذا القسم مسيرا من قبل مديرين مصريين.

.


[1] .27 ص ،1997 ،"فرنسي غرام ، مصر" كتاب في "صولي. ر" حسب مرة 680 من أكثر بها الاستشهاد تم.

[2] يمكن تحديد 1827 كسنة ظهور مصطلح (égyptologue) أي (عالم مصريات) و ظهور مصطلح (égyptologie) أي (علم المصريات) فيما بعد. وكان الكرسي الذي قدم ل"شمبليون" ب"كوليج دو فرانس" كرسي علم الآثار الشرقية. فإن كرسي فقه اللغة المقارن وعلم الآثار المصري لم يبعث إلا في الثامن من فيفري 1860 ("س. أوفرير"، "حول بزوغ علم المصريات"، 2017، ص 29..

[3] ولا يجهل عاقل الدور الأساسي الذي لعبه "بيير دي روسيت" في فك رموز الهيروغليفية مصرية والمساهمة الحاسمة ل "ج. فر شمبليون" في تأسيس هذا التخصص..

[4] "ودائرة بروج دندره" هي حاليا موجودة بمتحف "اللوفر" كما هو الحال مع الجزء الأكبر من الرسالة المصرية في الأحجار الكريمة بديوان المعادن. 

[5] أنشأ "جمعية اكتشاف مصر" سنة 1883 في لندن و "الميزانية المخصصة للأبحاث المتعلقة بمصر" سنة 1894 (التي ستصبح فيما بعد المعهد البريطاني للآثار بمصر).

عنوان الصورة: أوراق ورسوم المسافر وعالم المصريات "نسطور الهوت" (1804 ـ 1842)، X، رسوم ومخططات، القرن التاسع عشر.